وكان السَّلَفُ يقولون : "منْفسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ،ومن فسد من عبادنا ففيه شبه منالنصَارى" .
فعلى المسلم أن يبعدَ من هذينالشِّبْهين غايةَ البعد ، ومنْتصوَّرَ الشِّبْهينِ والوصفينِ وعلمأحوال الخلقِ علمَ ضرورتَهُ وفاقتهإلى هذا الدعاء ، الذي ليس للعبددعاءٌ أنفعَ منه ولا أوجبَ منه عليه ،وأنّ حاجَتَهُ إليه أعظمُ من حاجتهإلى الحياة والنّفَس ، لأنّ غايةَ مايقدر بفوتهما موتُهُ ، وهذَا يحصل لهبفَوْته شقاوةُ الأبدِ . فنسألُاللهَ أنْ يهدِيَنا الصراطَالمستقيم ( صِرَاطَ الَّذِينَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَالضَّالِّينَ ).
فلما فَرَغ من هذا الثَّناء والدُعاءوالتَّوحيد ، شَرَعَ له أن يطبعَ علىذلك بطابِع من التَّأمِين ، يكونكالخاتَمِ له، وافَقَ فيه ملائِكَةَالسَّماء، تفاؤلاً بإجابته وحصوله،وهذا التأمين من زِينَةِ الصَّلاةِ .
ثمَّ يأخذُ بعدَ ذلكَ في تلاوةِربيعِ القلوبِ ، وشفاءِ الصدورِ ،ونورِ البصائرِ ، وحياةِ الأرواحِ ،ولذّةِ النفوسِ ، ورياضِ القلوبِ ،وحادي الأرواحِ إلى بلادِ الأفراحِ ،والمنادي بالمساء والصباحِ : يا أهلَالفلاحِ ، حيّ على الفلاحِ ، وهوكلامُ ربِّ العالمين ، فيحلّ به في ماشاء من روضاتٍ مونقاتٍ ، وحدائقَمعجباتٍ ، زاهية أزهارها ، مونقةثمارها ، قد ذللتْ قطوفها تذليلاً ،وسُهلت لمتناولها تسهيلاً ، فهويجتني من تلك الثمار خيراً يُؤمر به ،وشراً يُنهى عنه ، وحكمةً وموعظةً ،وتبصرةً وتذكرةً وعبرةً،وتقريراًلحق،ودحضاً لباطل ، وإزالةً لشبهةٍ ،وجواباً عن مسألةٍ ، وإيضاحاً لمشكلٍ، وترغيباً في أسباب فلاحٍ وسعادةٍ ،وتحذيراً من أسباب خسران وشقاوة ،ودعوةً إلى هدى ، فتنزل على القلوبنزولَ الغيثِ على الأرضِ التي لاحياة لها بدونه ، ويحل منها محلالأرواح من أبدانها .