تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لائحة ، وقد طمس معرفة علمها ، ومن ذلك علم الموسيقى وأصنافها الثلاثة ، فإن الأوائل يصفون أنه كان منها [ ما ] يشجع الجبناء وهو اللوي ، ونوع ثان يسخي البخلاء وأظنه الطنيني ، ونوع ثالث يؤلف بين النفوس وينفر ( 1 ) . وهذه صفات معدومة من العالم اليوم جملة . فاعلموا أسعدكم الله بتوفيقه أن من رأيتموه يدعي علم الموسيقى واللحون ، وعلم الطلسمات ، فإنه ممخرق كذاب ومشعوذ وقاح ، وكذلك من وجدتموه يتعاطى علم الكيمياء فإنه قد أضاف إلى هذه الصفات الذميمة التي ذكرنا استئكال ( 2 ) أموال الناس ، واستحلال التدليس في النقود وظلم من يعامل في ذلك ، والتغرير بروحه وبشرته في جنب ما يعاني من هذه الرذيلة . فإن العلمين المذكورين أولا ، وإن كانا قد عدما وانقطعا ألبتة ، فقد كانا موجودين دهورا . وأما هذا العلم الذي يدعونه من قلب جوهر الفلز ( 3 ) ، فلم يزل عدما غير موجود . وباطلا لم يتحققساعة من الدهر ؛ إذ من المحال الممتنع قلب نوع إلى نوع ، ولا فرق بين أن يقلب نحاس إلى أن يصير ذهبا أو قلب ذهب إلى أن يصير نحاسا ، وبين قلب إنسان إلى أن يصير حمارا ، أو قلب حمار إلى أن يصير إنسانا . وهكذا سائر الأنواع كلها ، وهذا ممتنع ألبته ، وبالله تعالى التوفيق ، ومنه أستمد ( 4 ) لا إله إلا هو ، فلا وجه للاشتغال بلعم قد دثر وعدم ، وإنما الواجب أن يتهمم المرء بالعلوم الممكن تعلمها التي قد يتنفع بها في الوقت ، وأن يؤثر منها بالتقديم ما لا يتوصل إلى سائره إلا به ثم الأهم فالأهم والأنفع فالأنفع ، فإن من رام الاتقاء إلى أرفع العلوم دون معاناة ما ( 5 ) لا يوصل إليه إلا به ، كمن رام الصعود إلى علية مفتحة مظلمة أنيقة البناء دون أن يتكلف التنقل إليه في الدرج ( 6 ) والمراقي التي لا سبيل إلى تلك العلية إلا بها .

مراتب العلوم · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مراتب العلومص ٦٢