لقد جاء ذكرهم فى الأنعام والأعراف والإسراء وطه ويونس وهود وجميع الحواميم والطواسين وسور أخرى كثيرة . والسور التى أحصيناها هنا مكية كلها ، وقوله تعالى: ((إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون)) آية من سورة النمل المكية.. وعجيب واليهود فى مكة نفر لا يؤبه لهم ، أن يعنى القرآن بقصصهم كل هذه العناية . ! ولقد ساءلت نفسى: ما السبب فى هذا السرد المفصل لتاريخ بنى إسرائيل فى مكة قبل المدينة ؟ أهو تعريف المسلمين بحقيقة القوم الذين سيخالطونهم فيما بعد ؟ إن هذه إجابة غير مقنعة . . وبعد تأمل غير قليل وجدت أن هذا التاريخ يحوى فى طياته العناصر الحقيقية لقيام الأمم ، واستقلالها بأمورها ، وازدهار حضارتها ، كما يحوى العناصر الحقيقية لانهيار الأمم ، وذهاب ريحها ، واضمحلال أمرها . . والقصص القرآني من أبرز الوسائل لتربية الأفراد والجماعات ، وقد كان المسلمون المستضعفون فى مكة بحاجة إلى أن يعرفوا كيف تحول اليهود الأوائل من ذل هائل ، إلى تحرر وتمكين ، وما هى الفضائل التى لابد من استجماعها كي تبلغ الأمم هذه الغاية الكريمة . وقد تولت السور المكية هذا الشرح ، ورأت القلة المستضعفة كيف تحول شعب تذبح صبيته ، وتستحيا نسوته ، إلى شعب مكين فى الأرض سيد على ظهرها ! . وقد سئل ابن القيم: أيمكن للرجل أولا ثم يبتلى ، أم يبتلى أولا ثم يمكن له ؟ فقال: يبتلى أولا ثم يمكن له . وتلا قوله تعالى: ((وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون)) . والآية من سورة السجدة المكية ، وهى تنبه إلى أن الصبر واليقين أساسا الكفاح الطويل الذى يصل بالأمم المناضلة إلى هدفها . . وقد أكد القرآن هذه الحقيقة الاجتماعية فى سورة الأعراف ((وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى …)) . ص _028
حصاد الغرور · الصفحة ٢٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
حصاد الغرورص ٢٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي