تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

-أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ- دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ دَعَا ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ جَاءَنِي رَجُلَانِ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ -أَوْ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي-: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟

قَالَ: مَطْبُوبٌ (1). قَالَ: مَنْ طَبَّهُ (2)؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ. قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ (3). قَالَ: وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ (4). قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ".

قَالَتْ: فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ". قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ. قَالَ: "لَا أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللَّهُ وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا، فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ" (5).

وَقَدْ أَنْكَرَ البعض هَذَا الْحَدِيث بِسَبَبٍ آخَر، فَزَعَمَ أَنَّهُ يَحُطّ مَنْصِب النُّبُوَّة، وَيُشَكِّك فِيهَا، وَأَنَّ تَجْوِيزه يَمْنَع الثِّقَة بِالشَّرْعِ، هَذَا الَّذِي اِدَّعَاهُ هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعَة بَاطِل; لِأَنَّ الدَّلَائِل الْقَطْعِيَّة قَدْ قَامَتْ عَلَى صِدْقه وَصِحَّته وَعِصْمَته فِيمَا يَتَعَلَّق بِالتَّبْلِيغِ، وَالْمُعْجِزَة شَاهِدَة بِذَلِكَ، وَتَجْوِيز مَا قَامَ الدَّلِيل بِخِلَافِهِ بَاطِل.

فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِبَعْضِ أُمُور الدُّنْيَا الَّتِي لَمْ يُبْعَث بِسَبَبِهَا، وَلَا كَانَ مُفَضَّلًا مِنْ أَجْلهَا، وَهُوَ مِمَّا يَعْرِض لِلْبَشَرِ فَغَيْر بَعِيد أَنْ يُخَيَّل إِلَيْهِ مِنْ أُمُور الدُّنْيَا مَا لَا حَقِيقَة لَهُ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا كَانَ يُتَخَيَّل إِلَيْهِ أَنَّهُ وَطِئَ زَوْجَاته وَلَيْسَ بِوَاطِئٍ، وَقَدْ يَتَخَيَّل الْإِنْسَان مِثْل هَذَا فِي الْمَنَام، فَلَا يَبْعُد تَخَيُّله فِي الْيَقِظَة، وَلَا حَقِيقَة لَهُ.

وَقِيلَ: إِنَّهُ يُخَيَّل إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَهُ وَمَا فَعَلَهُ، وَلَكِنْ لَا يَعْتَقِد صِحَّة مَا يَتَخَيَّلهُ، فَتَكُون اِعْتِقَادَاته عَلَى السَّدَاد.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَقَدْ جَاءَتْ رِوَايَات هَذَا الْحَدِيث مُبَيِّنَة أَنَّ السِّحْر إِنَّمَا تَسَلَّطَ عَلَى جَسَده وَظَوَاهِر جَوَارِحه لَا عَلَى عَقْله وَقَلْبه وَاعْتِقَاده، وَيَكُون مَعْنَى قَوْله فِي الْحَدِيث: (حَتَّى يَظُنّ أَنَّهُ يَأْتِي أَهْله وَلَا يَأْتِيهِنَّ).

(1) () أي: مسحور.

(2) () أي: من سحره.

(3) () الْمُشَاطَة: هِيَ الشَّعْر الَّذِي يَسْقُط مِنْ الرَّأْس أَوْ اللِّحْيَة عِنْد تَسْرِيحه.

(4) () جُفّ وَهُوَ: وِعَاء طَلْع النَّخْل, وَهُوَ الْغِشَاء الَّذِي يَكُون عَلَيْهِ, وَيُطْلَق عَلَى الذَّكَر وَالْأُنْثَى, فَلِهَذَا قَيَّدَهُ فِي الْحَدِيث بِقَوْلِهِ: (طَلْعَة ذَكَر) وَهُوَ بِإِضَافَةِ طَلْعَة إِلَى ذَكَر.

(5) () متفق عليه: أخرجه البخاري (5766)، ومسلم (2189).

حقيقة السحر والحسد وعلاجهما · الصفحة ٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حقيقة السحر والحسد وعلاجهماص ٨