الإنفاق خلق جميل ، ويتضاعف جماله إذا كان على حال من الحاجة أو العوز ، فيلتقي الكرم فيه والإيثار ، دعني أحدثك بما عجب الله منه وهو الكريم المنان سبحانه : عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إني مجهود [ أي : بي سوء عيش وجوع ] ، فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بعض نسائه ، فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء ، ثم أرسل إلى أخرى ، فقالت مثل ذلك ، حتى قلن كلهن ذلك، لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من يضيّف هذا الليلة ؟ فقال رجل من الأنصار : أنا يا رسول الله ، فانطلق به إلى رحله ، فقال لامرأته : أكرمي ضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفي رواية قال لامرأته : هل عندك شيء ؟ قالت : لا ، إلا قوت صبياني ، قال : فعلليهم بشيء وإذا أرادوا العشاء فنوميهم ، وإذا دخل ضيفنا ، فأطفئي السراج ، وأريه أنا نأكل ، فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين ، فلمّا أصبح غدا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال :(( لقد عجب الله من صنيعكما بضيفيكما الليلة ))متفق عليه .
إنه مجتمع تربى على أخلاق النبوة ، واستقى من نبعها الصافي ، مجتمع لا يعرف الأنانية والأثرة ، هاك صنفًا من أصنافه يمتدحه النبي - صلى الله عليه وسلم - بصفة مثالية كريمة ، لو سارت الأمة عليه اليوم ما بقي فيها فقير واحد ، إنهم الأشعريون ، الذين قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم : ( إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ ) رواه البخاري .