الفصل الأول
| الطفولة: الكتاب، المدارس الأولية والابتدائية والثانوية (1935-1952م)
أنا من مواليد 1935م حي باب الشعرية الذي به جامع الشعراني الذي كان يؤذن فيه محمد عبد الوهاب. ومن شارع الجيش الشارع الرئيسي في باب الشعرية الذي يربط بين العتبة والعباسية، يتفرع منه شارع البنهاوي الذي به جامع البنهاوي الذي يصل إلى باب الفتوح ثم باب النصر. وتتفرع من وسطه تقريبا حارة درب الشرفا ثم عطفة العبساوي والمنزل رقم 4 الدور الأول فوق مخازن السحار للبقالة. عنوان طويل مقارنة بالعناوين الطبقية الأخرى، رقم المنزل واسم الشارع ثم اسم الحي كما حدث بعد ذلك في 167 شارع الحجاز، مصر الجديدة. وكنت أستحي من هذه العناوين الطويلة التي بها الدروب والعطفات. وكنت أذهب إليه بين الحين والآخر؛ أذهب لرؤية البيت الذي ولدت فيه، والشقة التي قضيت فيها طفولتي وصباي قبل سفري إلى فرنسا. وما زلت أحلم بها وبسطوحها الخاص وجملوناته الخشبية التي كانت سقف مخازن السحار للبقالة. وكنت أنزع قعدتها الخشبية السوداء لعمل «عوامة» التي يسير بها الأطفال. رجل فوقها، ورجل أخرى على الأرض ترفعها بعد تركيب عجلتين صغيرتين، أمامية وخلفية، ومتصلة بين العمود الرأسي والقاعدة الأفقية، تربطهما مفصلة - على أحسن تقدير - للانحراف بها يمينا ويسارا مثل دريكسيون العربة.
وكان أول وعي بالناس بعد الأقارب هم الجيران؛ ففي مدخل المنزل هناك غرفة واحدة في الحوش، وهي التي تحولت في المنازل الحديثة إلى حجرة البواب، كانت تسكنها نساء فقط؛ فهيمة الأم والتي كانت تلبس السواد طول الوقت لتكشف عن ذراعيها وساقيها البيضاء، وصالحة الابنة الطويلة الفارهة، والتي كنت أشعر نحوها بشيء ما لا أعرفه. ولما ضاقت الحجرة، سكنوا تحت بير السلم المظلم الذي تسكنه العفاريت؛ فقد كان به الحوض ودورة المياه. وكانت صالحة تعمل وتعول الأسرة. وينظر إلينا على أننا من الأغنياء لأننا نسكن بالدور الأول ونذهب إلى المدارس والجامعات. كانت أرض الحوش من الطين؛ فلم يكن السيراميك قد عرف بعد، وإن وجد فمن يقدر على شرائه؟ وكان في مدخل شقتنا على يمين الحمام البلدي والمطبخ. وفي الواجهة غرفة داخلية مظلمة لا تطل على شيء إلا سطح المخزن على مستوى أدنى والذي كان يستخدم ملعبا «للعوامة». وعلى اليمين غرفة لأخي سيد وأنا الصبيان في المنزل. وعلى اليسار غرفة لأخواتي البنات الخمس: نبيهة، سعاد، فاطمة، علية، نادية، وكلهن من خريجات مدارس المعلمات التي كانت في ذلك الوقت أنسب تعليم للإناث وأسهل وظيفة لهن مدرسات. وعلية الوحيدة التي تفوقت في دراستها، وأخذت الثانوية العامة من المنازل، ثم ليسانس الآداب من قسم الدراسات اليونانية واللاتينية، ثم الماجستير والدكتوراه حتى أصبحت رئيسة القسم، وسافرت إلى اليونان، وتزوجت وهي طالبة صديقا لي طبيبا، د. عبد المحسن حسين عبد الله. أما نادية الصغيرة فقد تخرجت من مدرسة التجارة، وأصبحت موظفة في بنك حيث تعرف عليها زميلها محمد وتزوجها، وأصبحت ربة منزل. وهي التي قمت بتكاليف الإعداد لزواجها بعد أن قام أخي سيد بتكاليف إعداد أخواتي الثلاث الأخريات نظرا لغيابي في فرنسا، وحجج الوالدين مرتين. وكانت أكبر الغرف تطل على العطفة، وتحتها مخازن السحار. أما الوالدان، فكان الوالد في غرفة الأولاد والوالدة في غرفة البنات. أما الصالة الوسطى فكانت غرفة المعيشة والاستقبال، وبجوارها شقة الجزار والكبابجي، وفوقها غرفة الفران عم توحيد وابنه صلاح، وبجواره اللبان الذي كان أبناؤه في الدراسة، وكنت أعطيهم دروسا في الثانوية العامة اتقاء لشرهم. وأما جارتنا نعيمة فكانت جميلة بيضاء وطويلة، وزوجها يعمل في «الأورنس»؛ أي الجيش الإنجليزي، كما يصور نجيب محفوظ في «زقاق المدق».