تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Châtenay-Malabry ، وأنا أعرض عليه الرسالة الثانية والثالثة لأنها من جزأين، فاستمع إلي بكل انتباه دون تعليق؛ أي إنه موافق على منهجها ونتائجها، تأويلي للظاهريات وتطبيقها في فلسفة الدين عند هيرنج

Hering

البروتستانتي، وديميري

Dumery

الذي كان راهبا ثم خرج من الكنيسة. أولتها من خلال علم أصول الفقه، وقرأت علم أصول الفقه من خلالها، وهما ما كونا شعوري الفلسفي حتى الآن. واستمعت إلى ماكسيم شول في الفلسفة اليونانية، كان أبيض أشقر مبتسما فيلسوفا، يقرأ الفلسفة اليونانية من خلال الفلسفة. واستمعت إلى جانكلفيتش أستاذ الأخلاق، وكان من أوروبا الشرقية محمر الوجه، يتكلم بإتقان، يوقظ النائمين والسارحين من الطلاب. واستمعت إلى جان فال أستاذ تاريخ الفلسفة والميتافيزيقا، كان فيلسوفا مهنيا أمامه أوراق كثيرة، يبتسم وهو ينظر إليها، يحبه الطلاب المهنيون مثل كلكل

Kelkel

مترجم «بحوث منطقية» لهوسرل، وشاتل

Chattel

المنطقي الميتافزيقي، الفيلسوف ذو الشعر المنكوش الواقف والذي كان يخيف. وجاك دريدا الذي كان أقرب إلى الصمت، ربما كان يستمع كي يعرف كيف يفكك ما يسمع، وهو مترجم «أصل الهندسة» لهوسرل، وقد ظل عشر سنوات يدرس كيفية إعادة بناء العلوم الإنسانية، وهو موضوع رسالته للدكتوراه، فكتبت له السربون رسالة رقيقة دون تهديد بشطب رسالته من سجل الدراسات العليا كما يحدث عندنا بعد خمس سنوات وسنة إضافية، أنه تجاوز الوقت المحدد، وسيعطى عشر سنوات أخرى، فلما انقضت كتبت له السربون أن العشر الثانية قد انتهت ولا بد أن يقدم الرسالة، فكتبها في شهرين، وحصل على الدكتوراه بدرجة

Tres Honorable . وكان الأستاذان الأقل إغراء هما كانجييم أستاذ فلسفة العلوم والذي عمل معه رشدي راشد، وأوصى به كي يكون باحثا بالمركز الوطني للبحث العلمي

Centre National de Recherche Scientifique (CNRS) . ودي جاندياك وهو أيضا أستاذ فلسفة العصور الوسطى، وكان مجرد عارض لتاريخها كما فعل يوسف كرم عندنا في «تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط». وكان يتكلم وكأنه يحمل حملا ثقيلا على كتفه، مطأطأ الرأس، مقوس الكتفين، مكفهر الوجه، خاصة وأنه كان قصيرا لا يرى من وراء المنصة لو جلس، لم يستمر معه كثير من الطلاب. وأما المستشرقون فلم يكونوا يثيرون في شيئا، مثل هنري لاوست في الكوليج دي فرانس الذي كتب أطروحته للدكتوراه عن ابن تيمية، والذي اعتبرني مثله مؤرخا للفكر الإصلاحي ليس مطورا له أو مبدعا فيه. وروبير برنشفيج الذي كان متخصصا في الفقه الحنفي. أما بلاشير

Blachere

فكان أقرب إلى الأدب العربي، يدرس معه بعض الأساتذة من شمال أفريقيا، وهو الذي ترجم القرآن إلى اللغة الفرنسية، وطبعه طبقا لأوقات النزول، وهي الدعوة التي نادى بها خلف الله أحمد خلف الله من مدرسة أمين الخولي مثل سيد قطب الثاني، الناقد الأدبي (الأول هو الشاعر والقصاص، والثالث هو المفكر الإسلامي الاجتماعي، والرابع هو صاحب «معالم في الطريق») اعتقادا أن ترتيب القرآن من توقيف عثمان لإبراز الجانب الإنساني في التدوين. وكان هناك رودنسون صاحب «الإسلام والرأسمالية» زرته بين رفوف مكتبته، واعتذر أنه لن يطيل معي لأن صديقته ستأتي، وأنه لا بد أن تكون له صديقة تخفف عنه عناء الكتابة.

وإذا كان وعيي قد ازدهر مع جان جيتون، فإن وعيي السياسي قد تكون في مظاهرات الحي اللاتيني مع الطلبة المسلمين من شمال أفريقيا

Mena

ومقره 115 شارع سان ميشيل

B4 Mich 115

ضد الاحتلال الفرنسي للجزائر، ثم ضد انقلاب بو مدين على الرئيس بن بلا بعد الاستقلال، ومظاهرات أخرى ضد قذف أمريكا فيتنام بالقنابل بعد أن خرجت فرنسا، وكانوا بؤرة لتجمع طلاب العالم الثالث بالاشتراك مع طلبة أمريكا اللاتينية والطلبة العرب. وكان المطعم الإسلامي مكانا للتجمع خاصة يوم الجمعة، يوم «السكسك»

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٣٤