وإذا كانت الذكريات هي استدعاء الماضي، والماضي منصب في الحاضر، فيتداخل الماضي في الحاضر، الموتى مع الأحياء. تذكر الموتى ليس به حرج، ولكن الحرج مع الأحياء في المراجعة والتأويل المضاد على أحسن تقدير، وفي الخصام أو التقاضي على أسوأ تقدير. وفي تذكر الأحياء في الحاضر تشتد أزمة الاختيار بين الذكريات: أيها يذكر، وأيها لا يذكر؛ فتتدخل الإرادة في انتقاء الذكريات منعا للإحراج. وربما يختلط المستقبل أيضا مع الماضي والحاضر في ذكر ما كان الإنسان يود فعله ولم يفعله وهو قد فعله بالفعل. وهنا تتداخل الأبعاد الثلاثة للزمان؛ الماضي والحاضر والمستقبل. وقد تنسى بعض تجارب الحاضر، فلا تدخل في الذكريات التي تحتوي على التجارب الحية التي تبقى في الذاكرة، سواء في الماضي أو في الحاضر.
والتقسيم إلى إحدى عشرة مرحلة هو تقسيم زمني وموضوعي في آن واحد؛ فبدأت بالموضوع والمنهج والتقسيم والدلالة، ثم أولا: الطفولة: الكتاب، المدارس الأولية والابتدائية والثانوية (1935-1952م) حيث بدأ الوعي بالعالم عن طريق اللعب والفن والفكر. ثانيا: التعليم الجامعي (1952-1956م) حيث بدأ الوعي العلمي متزاوجا مع الوعي الوطني، والتطلع إلى أفق أوسع. ثالثا: السفر إلى فرنسا (1956-1966م) حيث توازنت الشخصية بين الدين والدنيا، تجارب الأنا والآخر، وصياغة مشروع «التراث والتجديد» (بالفرنسية). رابعا: الأستاذ الجامعي وفلسفة المقاومة (1966-1971م) ودرء الهزيمة أو النكسة في 1967م بعد النكبة في 1948م وقبل صفقة القرن في 2017م أشبه بنداء إلى الأمة الألمانية لفشته لمقاومة نابليون الذي احتل ألمانيا. خامسا: السفر إلى أمريكا (1971-1975م)، لمعرفة العالم الجديد؛ أمريكا، تدريسا ودراسة، قراءات وزيارات وتوسيع المعرفة بالدين من المسيحية إلى اليهودية، والفلسفة، من الفلسفة الأوروبية إلى الفلسفة الأمريكية. سادسا: إعادة إشهار الجمعية الفلسفية المصرية ومقاومة الانقلاب على الناصرية (1975-1982م) خاصة بعد مظاهرات يناير، 1977م «انتفاضة الحرامية»، وإعادة إشهار الجمعية الفلسفية المصرية عام 1976م بعد أن أسسها منصور فهمي باشا في 1944م وتوقفت بعد الحرب العالمية الأولى، وزيارة القدس نوفمبر 1977م لإيجاد أحلاف خارجية، وكامب ديفيد 1978م، واتفاقية السلام 1979م، وطرد أساتذة الجامعات والصحفيين ، وتحويلي موظفا في وزارة الشئون الاجتماعية، وسجن هيكل، وإبعاد الأنبا شنودة إلى الصحراء في سبتمبر 1981م مما كلفه حياته في أكتوبر من نفس العام. وقد كتبت «مقدمة في علم الاستغراب» عام 1982م وأنا خارج الجامعة وفي ذهني
وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم . سابعا: فلسفة المشرق والمغرب، بالتدريس في المغرب وتولي الإشراف على البحوث الدولية في جامعة الأمم المتحدة في اليابان (1982-1987م). ثامنا: رئاسة القسم ومحاولة تكوين مدارس فكرية (1987-1995م). تاسعا: «التراث والتجديد» وأحزان خريف العمر (1996-2011م). عاشرا: الثورة الشعبية والربيع والعربي (2011-2018م). الحادي عشر: كل نفس ذائقة الموت (2018م-...).
ويختلف طول المراحل من حيث المكان: أطولها مرحلة 167 شارع الحجاز (1970-1995م) خمسة وعشرين عاما، ثم مرحلة باب الشعرية (1935-1956م) واحدا وعشرين عاما في شارع البنهاوي، درب الشرفا، عطفة البنهاوي رقم 4، ثم مرحلة مدينة نصر (1995-2018م) ثلاثة وعشرين عاما في 18 شارع لوزاكا متفرع من أحمد فخري، ثم مرحلة فرنسا (1956-1966م) عشرة أعوام، ثم مرحلة العباسية الشرقية (1966-1970م) مع الوالدين 13 شارع الجنزوري منذ العودة من فرنسا 1966م حتى الزواج 1970م. إلا أن أكثرها عمقا في استدعاء الذكريات الماضية والأحلام الحاضرة هي المرحلة الأولى (1935-1956م) مرحلة الميلاد والكتاب والمدارس الأولية والابتدائية والثانوية والجامعية؛ فما زالت الشقة التي ولدت فيها، والغرفة التي ذاكرت فيها، وكنت فيها مع أخي سيد وأعز الأصدقاء محمد وهبي عبد العزيز هي أعمق الذكريات، وتعود دائما أكثر من أطولها في شارع الحجاز (1970-1995م)؛ فذكريات الطفولة أكثر عمقا في النفس من ذكريات الشباب في فرنسا أو الرجولة بعد الزواج أو الكهولة في مدينة نصر.