تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي صيف 1952م في 23 يوليو انقلبت الموازين، واندلعت الثورة المصرية، وكنا في بداية الصيف. وظهر لنا محمد نجيب زعيما وطنيا مصريا سودانيا، وحوله مجموعة من الضباط الأحرار، فانتهت الحيرة بين التيارات السياسية الأربعة، وانضم الجميع تقريبا إلى الثورة خاصة وأن بياناتها الأولى تتحدث عن القضاء على الاستعمار والإقطاع والملكية والتحقيق في اغتيال حسن البنا، وإعداد جيش قوي، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة، فانضم الجميع إليها. وكان خطابه الأخير يتحدث عن وحدة الأمة الإسلامية وليس فقط وحدة مصر والسودان. وكان الإخوان مع الثورة في البداية لأنها أبقت عليهم، ولم تحلهم كما حلت باقي الأحزاب خاصة الوفد حتى لا يكون خصما للثورة المباركة. وجاء نجيب إلى جامعة القاهرة، وألقى خطابا دعا فيه إلى الوحدة الإسلامية الجامعة، فضجت القاعة بالتهليل والتكبير. وكان بجواره أو وراءه قليلا ضابط واضع يديه على صدره، وهو يرى هذا المنظر ولا يشارك في الإعجاب أو التصفيق أو يحيي الطلاب، عرفنا بعده أنه عبد الناصر الذي استطاع تصفية معارضيه من الضباط الأحرار، بما فيهم الإخوان، مع أنه كان قد جعل رشاد مهنا، وهو من الإخوان، وصيا على العرش. وكان أعضاء مجلس قيادة الثورة اثني عشر، نصفهم من الإخوان مثل كمال الدين حسين الذي عين وزيرا للتربية والتعليم وصاحب شعار «مدرستان في يوم واحد»، ثم استقال عندما وجد عبد الناصر ينفرد بالحكم. وجاءت مأساة 1954م، واتهام الإخوان بمحاولة اغتيال عبد الناصر بعد أن أطلق أحد أعضائهم في شعبة إمبابة النار عليه وهو يخطب في المنشية متطوعا بنفسه دون أخذ أمر مباشر من مرشد الجماعة حسن الهضيبي والذي كان ضد استعمال العنف، فحلت الجماعة، وفك التنظيم السري لعبد الرحمن السندي، وقبض على معظم قيادات الإخوان بمن فيهم المرشد العام وأعضاء مكتب الإرشاد وسيد قطب، وحوكموا أمام محكمة الثورة، وهي محكمة عسكرية، إما بالإعدام مثل المفكر القانوني المستشار عبد القادر عودة صاحب «التشريع الجنائي الإسلامي»، وكانت كل جريمته أنه استقبل المتظاهرين في ميدان عابدين، ورفع قميصين ملطخين بالدماء تنديدا بهذا الفعل الوحشي. وكان حسن الشافعي أحد أعضائها وبرياسة جمال سالم، وما زال الشافعي يتهرب من هذه الذكريات الأليمة. وفي السنة الثانية شاركت في مظاهرات 1954م بعد أن كان عبد الناصر قد وقع مع بريطانيا اتفاقية الجلاء التي تخرج بريطانيا طبقا لها من قاعدة التل الكبير ومن منطقة القناة، وتجلي معسكرها الأحمر على ضفاف النيل مكان الجامعة العربية حاليا، ولكنها تسمح بالعودة إلى مصر في حالة «الضرورة القصوى»، خطوة إلى الأمام، وخطوة إلى الخلف. وما زلت أذكر الشهيد عبد القادر عودة وهو يهز قميصا ملطخا بالدماء من شرفة عابدين قائلا إن هذه هي أخلاقهم. كنا نهتف في المظاهرات: «يا جمال للصبر حدود.» وأتذكر أغنية أم كلثوم «للصبر حدود»، وفيما بعد قرأت آية

فما أصبرهم على النار . وكان هذا هو أحد الدوافع التي جعلتني أتحدث عن ذلك في «من الفناء إلى البقاء». وقد اختفيت في فندق سيمراميس الذي كان يطل على ميدان التحرير الذي كان قبل الثورة يسمى ميدان الإسماعيلية نسبة إلى الخديوي إسماعيل في القاهرة الخديوية، وسط البلد. وفرحنا بالثورة وبقوانين الإصلاح الزراعي، والقضاء على الإقطاع، وتحرير الفلاح، وإعطاء كل فلاح خمسة فدادين ملكا له والقضاء على الملكيات الكبيرة وأولها أراضي القصر وأبعديات الباشوات التي كان يسير فيها القطار بالساعات، مجتمع النصف في المائة. وكان القصد ليس فقط تميلك الفلاح الأرض بل تحرير الفلاح من عبوديته للباشا والملك عن طريق ملكية الأرض. فإذا قيل لقد تفتت الملكية وأصبح من الصعب «ميكنة» الزراعة قيل إن هناك الجمعيات التعاونية التي نشأت من أجل ذلك. وقررنا أنا وبعض الأصدقاء: عبد المحسن حسين عبد الله الذي أصبح طبيب عظام وزوجا لأختي علية، محمد وهبي عبد العزيز صديق العمر من الجامعة العربية، العطار أستاذ الرياضة البدنية، فيما بعد، الذهاب من القاهرة إلى الإسكندرية سيرا على الأقدام، نرى الريف قاع المجتمع، والفلاح عماده. واتفقنا على أن المبيت في مقار هيئة التحرير، التنظيم السياسي الجديد للثورة والذي طلب عبد الناصر من سيد قطب أن يرأسه فرفض. وأخذ كل منا حقيبة صغيرة فوق ظهره، وكانت أول محطة بنها، وسألنا عن مقر هيئة التحرير، فأشاروا إلى بدروم عليه يافطة «هيئة التحرير» تحوط به المياه الطافحة، حتى جاء رجل، وحسب أننا من الحكومة فارتعد، وطمأناه أننا لسنا من الحكومة بل طالبو معرفة بأحوال الريف حبا في الثورة، ونمنا الليلة على الأرض، ولم نجد أحدا نحادثه أو نسأله عن شعور الفلاحين بعد الثورة. وفي الصباح استأنفنا السير حتى طنطا، وسألنا نفس الشيء: أين مقر هيئة التحرير؟ فأشاروا علينا بدور أول في مبنى فارغ ليس به أحد إلا اليافطة. واستأنفنا السير في اليوم الثالث من طنطا إلى كفر الزيات، وهنا أشاروا علينا بمصنع زيت وصاحبه بلا يافطة. ولما ظن أننا من الثوار انتابه الفزع والفرح في آن واحد، وأمر بالكباب، وكان يسمى ناشد، وطلب منا أن نستريح ليلة لديه بدلا من الاستئناف إلى كفر الدوار ثم إلى دمنهور، فوافقنا لإجهادنا، وقلنا له إننا سنخطر القيادة في مصر بحسن الاستقبال حتى تتأكد رياسته لهيئة التحرير، ثم صعوده بعد ذلك إلى أعلى سياسيا. واستأنفنا السير إلى دمنهور، وهناك أحسسنا بالتعب بالفعل، وبدأت أقدامنا تلتهب، ومع ذلك وصلنا إلى الإسكندرية، وذهبنا إلى هيئة التحرير في ميدان المنشية، فوجدنا أخا عبد الحكيم عامر، فرحب بنا، وتركنا ننام في شرفة ميدان المنشية الذي تمت فيه محاولة اغتيال عبد الناصر. وبعد الاستراحة عدة أيام، أخذنا القطار عائدين إلى القاهرة، وكانت ذكرى علاقة التنظيم السياسي الذي لا وجود له بالشعب الذي لا يعرف عن هيئة التحرير شيئا، والدولة التي لا تعبأ بشيء. وعلمنا في هذه السن المبكرة أنه لا يمكن بناء تنظيم سياسي من فوق على عكس الإخوان أو حتى قيام نخبة عسكرية بالثورة.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٧