وكان الجيران على أنواع: الصديق، في الظاهر والباطن، والمنافق؛ أي الصديق في الظاهر والعدو في الباطن، والعدو في الظاهر والباطن؛ فالصديق في الظاهر والباطن في الشباك الذي أمامنا، وكانت صالحة على مستوى معين من الجمال، بيضاء هيفاء، قليلة الكلام، وعينان براقتان، وفم ضاحك، وقلب نابض. والصديق في الظاهر والعدو في الباطن من فوقنا، زوجة الفران، التي لديها ابن (صلاح) الذي كان متقدما في شئون المرأة عنا، وهو الذي علمني كيف أعاكس المطلقة التي في السطح، بإطفاء نور السلم وتقبيلها. ولما كان ذلك كثيرا علي، انتظرتها وهي خارجة من المنزل وأنا في الشباك وقذفتها بالماء، وهي حركة عدو لا صديق، فمسحت قدمها بمنديلها وواصلت السير. نظرت إلى أعلى ولسان حالها يقول: هل هكذا يفعل العاشقون؟ وندمت وعرفت أنه ليس كذلك تكون المعاكسة؛ أي الغزل. وبعد كل فشل ترن في أذني أغنية محمد عبد الوهاب «عاشق الروح» في آخر فيلم «غزل البنات»: «وعشق الروح ما لوش آخر، لكن عشق الجسد فان.» فهل هناك عشق صادق أم تعويض عن الفشل؟ وقد كان صلاح غير موفق في دراسته وليس له في العلم رغبة لأنه هو الذي سيرث أباه في الفرن. اختلف مع والده مرة عندما عاتبه أنه ليس ناجحا مثل من تحته، وهم نحن، فسكب على نفسه الجاز فأشعلها، ثم أطفأته الجيران، وبقي تأثير الحريق في وجهه، وذهب إلى قريبة له في مدخل درب الشرفا حتى يتصالح مع والده. وكان الوالد فتوة، يدخل المعارك بالعصا بين الأسر أو الأحياء عندما يبدأ الصراع بين درب الشرفا حيث أسكن والعطوف. وعادة ما تكون الغارة علينا لأنهم هم الأقوى، قوة وعددا، وكما صور نجيب محفوظ في «التوت والنبوت» في الحرافيش. وكانت أخته ليلى جميلة ذات صدر بارز يكاد يقع من بروزه. وتثني ظهرها بدعوى التنظيف والكنس.
وكان في وسط الحارة امرأة فتوة، نفيسة، يخشاها الجميع، ولم أكن أعرف لماذا؟ وهي طويلة بيضاء مثل تحية كاريوكا في فيلم «سمارة» و«عفريت سمارة». في يديها صيغة من اليد إلى الكوع، تجلس على باب المنزل أكثر مما تعيش في شقتها. وكان في آخر العطفة ميدان مغلق، سكانه أكثر رقيا، كان لي فيه أصدقاء لم يعيشوا طويلا في صداقاتهم. وكان جمال إسماعيل في الخديوية الثانوية يأتينا لزيارة فريق التمثيل في خليل أغا الثانوية، وكان أخي أحد أعضائها، يتحدثون عن التمثيل، وكان العزبي يغني، واستمر جمال إسماعيل في التمثيل، وتحولت الهواية إلى مهنة، أما أخي فاستمر في السلك الجامعي، وكان أبو زهرة مع هذا الفريق، وأنا مثله تركت الموسيقى إلى الدراسة.
وكنا ونحن صغار في سن ما قبل المدرسة نلعب في الحواري والشوارع. وكانت اللعبة المفضلة لدينا في ذلك الوقت «العوامة» وتتكون من عمودين من الخشب؛ واحد أفقي نضع عليه رجلا والأخرى تدفع بها على الأرض، والثاني رأسي في آخر خشبة أخرى أصغر مثل (الدركسيون) وعجلتين رولمان بلي؛ الأولى أمامية والثانية خلفية. وإذا كان الطفل ميسور الحال وضع عجلة أخرى، الأولى يمينا، والثانية يسارا. وإذا كان ميسورا أكثر ربط العمودين بمفصلة حديدية تسمح بالتحول يمينا أو يسارا. وكان في سطح المنزل الخاص الذي تحته مخازن السحار جملونات للضوء محملة على عواميد خشبية، فكنت أخلع عمودين وبالتالي يكتمل جسم العوامة. وكنا نلعب بها منذ ساعات الفجر الأولى، والشوارع خالية. وفي صباح باكر قام شيخ جليل ذو ذقن بيضاء وفي يده شيشة من على الكرسي على رصيف المقهى وجرى نحوي وأخذ العوامة ورفعها ثم ضربها على الأرض فتفتتت؛ فقد صلى الفجر وأراد أن يجلس على المقهى في هدوء ويدخن الشيشة، وهؤلاء الأطفال يسببون الصخب له. فمنذ ذلك الوقت كرهت المشايخ ونفاقهم، والدين الذي لا يرحم. وكيف لي أن أصلح العوامة من جديد؟ واللعبة الثانية أن شقتنا كان بها غرفة تطل على سطح مخازن السحار، فإذا كنا ميسورين نلبس قباقيب عجل ونسير في السطح، وفي وسط العام الدراسي نأخذ كتبنا للمذاكرة هناك. وعندما قام الصراع بين الإخوان والثورة في 1954م أخفيت منشورات الإخوان في إحدى مواسير الحائط حتى اكتشفها والدي وأخذها وحرقها خوفا علي، وانتابني حزن كبير.