تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الغرباء مع الصيام

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما مات عمر حتى فرغ الصيام.

أما أمير البررة وقتيل الفجرة عثمان، قال أبو نعيم عنه: حظه من النهار الجوع والصيام، ومن الليل السجود والقيام، مبتل بالبلوى منعم بالنجوى.

وعن الزبير بن عبد الله عن جدته قالت: كان عثمان يصوم الدهر ويقوم الليل إلا هجعة من أوله رضي الله عنه.

قتلوه وقد كان صائمًا والمصحف بين يديه، والدموع على لحيته وخديه، حبيب محمد ووزير صدق ورابع خير من وطئ التراب.

أما أبو طلحة الأنصاري الذي قال عنه رسول الله ﷺ: (لصوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل)، عن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة لا يصوم على عهد النبي ﷺ من أجل الغزو فلما قبض النبي ﷺ لم أره يفطر إلا يوم أضحى أو يوم فطر.

أما حكيم الأمة وسيد القراء أبا الدرداء فقد قال: لقد كنت تاجرًا قبل أن يبعث محمد ﷺ، فلما بعث زاولت العبادة والتجارة فلم يجتمعا، فأخذت بالعبادة وتركت التجارة.

تقول عنه زوجه: لم تكن له حاجة في الدنيا، يقوم الليل ويصوم النهار ما يفتر.

لله درهم!.

أما من خبر الإمام القدوة المتعبد المتهجد عبد الله بن عمر فيكفيه قول النبي ﷺ: (نعم العبد عبد الله)، قال عنه نافع: كان ابن عمر لا يصوم في السفر ولا يكاد يفطر في الحضر.

وعن سعيد بن جابر قال: لما احتضر ابن عمر قال: ما آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث: ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت هنا، يعني الحجاج.

وإليك وإليك المزيد، وكرروا معي: عذرًا رمضان.

عن رجاء بن حيوة عن أبي أمامة قال: (أنشأ رسول الله ﷺ جيشًا فأتيته، فقلت: يا رسول الله! ادع الله لي بالشهادة، فقال: اللهم سلمهم وغنمهم، فغزونا فسلمنا وغنمنا، حتى ذكر ذلك ثلاث مرات، قال ثم أتيته فقلت: يا رسول الله! إني أتيتك تترا -ثلاث مرات - أسألك أن تدعو لي بالشهادة فقلت: اللهم سلمهم وغنمهم، فسلمنا وغنمنا يا رسول الله! فمرني بعمل أدخل به الجنة، فقال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له، قال فكان أبو أمامة لا يرى في بيته الدخان نهارًا إلا إذا نزل بهم ضيف، فإذا رأوا الدخان نهارًا عرف الناس أنهم قد اعتراهم الضيوف).

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره في يوم حار حتى إنه ليضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا نبينا ﷺ وابن رواحة).

أما مسروق بن عبد الرحمن الذي كان في العلم معروف، وبالثناء موصوف، وبعبادة الله معشوق، قال عنه الشعبي: غشيته يومًا -أي: زرته يومًا- في يوم صائم، وكانت عائشة قد تبنته فسمى ابنته عائشة وكان لا يخالف ابنته في شيء، قالت: فنزلت عليه ابنته يومًا فقالت: أبتاه! أفطر واشرب! قال: ما أردتي يا بنية! ماذا تريدين من هذا الكلام؟ قالت: الرفق، أن ترفق بنفسك أبتاه! قال: يا بنية! إنما طلبت الرفق لنفسي في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة.

فماذا صنع الله لهم وماذا أعد لهم؟! ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان:١٢ - ١٤] إلى أن قال لهم: ﴿إن هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا﴾ [الإنسان:٢٢].

وهذا خبر أخير عن المبشر المحزون، والمستتر المخزون، تجرد من التلاد وشمر للجهاد وقدم العتاد للمعاد: العلاء بن زياد كان ربانيًا تقيًا قانتًا لله بكاءً من خشية الله، فعن هشام بن حسان أنه قال: كان قوت العلاء بن زياد رغيفًا كل يوم، وكان يصوم حتى يخضر، ويصلي حتى يسقط، فدخل عليه أنس بن مالك والحسن فقالا له: إن الله تعالى لم يأمرك بهذا كله، فقال: إنما أنا عبد مملوك، فلا أدع من الاستكانة شيئًا إلا جئته.

قال له رجل يومًا: رأيت كأنك في الجنة، فقال له: ويحك أما وجد الشيطان أحدًا يسخر به غيري وغيرك.

قال سلمة بن سعيد: رؤي العلاء بن زياد أنه من أهل الجنة، فمكث ثلاثًا لا ترقأ له دمعة ولا يكتحل بنوم ولا يذوق طعامًا، فأتاه الحسن فقال: أي أخي! أتقتل نفسك أن بشرت بالجنة؟ فازداد بكاءً، فلم يفارقه حتى أمسى، وكان صائمًا فطعم شيئًا من الطعام، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ * وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٧].

دعوه لا تلوموه دعوه فقد علم الذي لم تعلموه رأى علم الهدى فسعى إليه وطلب مطلبًا لم تطلبوه أجاب دعاءه لما دعاه وقام بأمره وأضعتموه لنفسي ذاك من فطن حصيف تذوق مطعمًا لم تطعموه قال سبحانه: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم:٦٣].

لله درهم! فكم علت بهم الهمم، وأي كلام يترجم فعلهم.

ولك أنت من أخبار النساء أيضًا وكرري وقولي: عذرًا رمضان.

عن عبد الرحمن بن قاسم أن عائشة كانت تصوم الدهر، وعن عروة أن عائشة كانت تسرد الصيام، وقال القاسم: كانت تصوم الدهر فلا تفطر إلا يوم أضحى أو يوم فطر.

وقد بعث لها معاوية مرة بمائة ألف درهم، فقسمتها ولم تترك منها شيئًا، فقالت بريرة: أنت صائمة فهلا ابتعت لنا منها بدرهم لحمًا؟ فقالت: لا تعنفيني، لو كنتِ أذكرتني لفعلت.

إنها الصديقة بنت الصديق، العتيقة بنت العتيق، حبيبة الحبيب، وأليفة القريب، المبرأة من العيوب رضي الله عنها وأرضاها.

أما القوامة الصوامة حفصة بنت عمر رضي الله عنها وعن أبيها وعن إخوتها وآل عمر وارثة الصحيفة، والجامعة للكتاب، فعن قيس بن زيد: (أن النبي ﷺ طلق حفصة فدخل عليها خالاها قدامة وعثمان ابنا مظعون، فبكت وقالت: والله ما طلقني عن شبع، فإذا بالنبي ﷺ قد أقبل فتجلببت رضي الله عنها، قال: فقال لهم النبي ﷺ: إن جبريل قد أتاني فقال: راجع حفصة فإنها صوامة قوامه، وإنها زوجتك في الجنة).

فأي شهادة أعظم من شهادة الله وجبريل لـ حفصة رضي الله عنها، وأنعم بها من عبادة كانت سببًا لرجوع أم المؤمنين حفصة إلى رسولنا ﷺ لتبقى له زوجة في الجنة، قال نافع: ماتت حفصة حتى ما تفطر.

وإليك مزيد: اسمعي ونادي بأعلى الصوت: عذرًا رمضان عذرًا رمضان.

عن سعيد بن عبد العزيز قال: ما بالشام ولا بالعراق أفضل من رحمة العابدة مولاة معاوية، دخل عليها نفر من القراء فكلموها لترفق بنفسها، فقالت: ما لي وللرفق بها، فإنما هي أيام مبادرة وأيام معدودة، فمن فاته اليوم شيء لم يدركه غدًا، والله يا إخوتاه! لأصلين لله ما أقلتني جوارحي، ولأصومن له أيام حياتي، ولأبكين له ما حملت الماء عيناي، ثم قالت: أيكم يأمر عبده فيحب أن يقصر في حقه؟! ولقد قامت رحمها الله حتى أقعدت، وصامت حتى اسودت، وبكت حتى فقدت بصرها.

وكانت تقول: علمي بنفسي قرح فؤادي وكلم قلبي، والله لوددت أن الله لم يخلقني ولم أك شيئًا مذكورًا.

كانت رحمها الله تخرج إلى الساحل فتغسل ثياب المرابطين في سبيل الله، قال الله عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]، وقال عنهم حين دخلوا الجنان: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ * فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور:٢٥ - ٢٩] عذرًا رمضا

دروس الشيخ خالد الراشد · الجزء ٧٨ · الصفحة ٨

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دروس الشيخ خالد الراشدج ٧٨ · ص ٨