تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونتفق ابتداءاً على أن الإيمان الصحيح يحمى صاحبه من الفتنة، ولكن يجب أن نتفق كذلك على أن الأمر يتطلب معالجة وجدانية مباشرة، ذلك أن الإيمان الصحيح يحقق غلبة الإلتزام من حيث السلوك، ولكن المشاعر تظل باقية، والدليل على ذلك هو حادثة مرثد الغنوى.

روى الترمذي: (قال كان رجل يقال له مرثد، وكان رجلاً يحمل الأسارى من مكة حتى يأتى المدينة، وكانت امرأة بغى بمكة يقال لها عناق، وكانت صديقة له، وأنه واعد رجلاً من أسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال فجاءت عناق فأبصرت سواد ظل تحت الحائط فلما انتهت إلى عرفتني، فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد، فقالت: مرحباً وأهلاً، هلم فبت عندنا الليلة، قال: فقلت يا عناق حرم الله الزنا، فقالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم، قال: فتبعني ثمانية، ودخلت الحديقة فانتهيت إلى غار أو كهف فدخلت فيه، فجاءوا حتى قاموا على رأسي فبالوا، فظل بولهم على رأسي فأعماهم الله عنى، قال: ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبي فحملته، وكان رجلاً ثقيلاً حتى انتهيت إلى الأذخر ففككت عنه أحبله، فجعلت أحمله ويعيني حتى أتيت به المدينة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله! أنكح عناقاً؟. مرتين، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم

فلم يرد على شيئاً، حتى نزلت: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: 3)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا مرثد! الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة فلا تنكحها) (1).

وواضح من الحادثة كيف أن مرثداً أراد الزواج من المرأة على الرغم من كفرها، وبغائها ومحاولتها جمع الناس لقتله، وكيف ألح في طلبه الزواج منها، وفى هذا دليل على أنه كان متعلقاً بها وجدانياً، ولولا ذلك لما كان هذا موقفه.

ومن هنا تنشأ قيمة المعالجة لمثل هذه الحالة، وأساس المعالجة الوجدانية المباشرة هو مواجهة العناصر التي تنشئ من خلالها مشاعر الحب وهي (2):

- الانبهار بشخصية المحبوب، باعتبار أن الانبهار ينشئ الحب، والحب يضفي على المحبوب أبعاد الكمال الإنساني، ومن هنا صار أمراً معتاداً أن يتخيل المحب في محبوبة صفات الجمال والذكاء والكرم والقوة ... الخ. ومواجهة هذا العنصر هي إظهار العيوب والنقائص وتثبيتها في الذهن. يقول ابن القيم في هذا العنصر: (فليتذكر قبائح المحبوب وما يدعوه إلى النفرة منه، فإنه إن طلبها وتأملها وجدها أضعاف محاسنه التي تدعوه إلى حبه).

- الرجاء في قيام العلاقة، فإذا حدث الرجاء بدأت المشاعر، وتقوى هذه المشاعر كلما قوى الرجاء.

ومواجهة هذا العنصر هي تيئيس النفس من إمكانية استمرار تلك العلاقة باعتبار الإلتزام الشرعي.

- الأسرار باعتبارها وعاء المشاعر، فعندما ينشأ سربين اثنين ينشأ اختصاص كل طرف للأخر بسر، ومع هذا الاختصاص تنشأ المشاعر. ومواجهة هذا العنصر هي كشف الأسرار التي كانت بين الاثنين أمام أطراف أخرى، وبذلك يفقد الاختصاص الذي بينهما.

- افتراض تحقق السعادة في الارتباط بالمحبوب وهو افتراض طبيعي ناشئ عن الحب.

(1) أخرجه النسائي في (النكاح) ن وأبو داود (48/ 6)، والترمذي رقم (3177) جميعاً من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ومسنده حسن.

(2) يمكن الاستفادة في هذا الشان، بكتاب الطب النبوي للإمام ابن القيم في علاج العشق.

بيت الدعوة · الصفحة ٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بيت الدعوةص ٦