كان المفروض في الدعاة أن يلوذوا بحقائق فقه الدعوة، وأن يميزوا أنَّ كل توسع سريع يتجاوز إتمام عملية تربية وتطوير الجيل الدعوي التأسيسي الأول: سيكون توسعاً خطيراً يحمل في ثناياه احتمالات الاستعجال، بل والانحراف والإرهاق وإعنات الناس لو أرادوا الريث، وإحراج الحكومة إذا نوت توبة، وقد كان هذا المعنى واضحاً لدى محفوظ، فاستمسك به، وأفتى إخوانه باللبث مع مفاد الوعي وأن لا تستفزهم المكاسب الأولية السريعة، فإنها ربما تأتي سهلة، ولكن يكون من بعدها دفع ضريبة كبيرة، ولات حين استئناف تربية واستدراك على قفز المراحل، وقد أبديت له تأييداً في ذلك، وصوبتُ منحاه، وثنيت على اختياره، وعضدته، في قلائل آخرين، ولكن الكثير من الدعاة غرتهم الصورة الظاهرة، فذهلوا عن(الشروط المتكاملة)الضامنة لاعتدال السياسة الدعوية، فطفقوا مع الحلم الوردي باختصار الزمن، ولم يدركوا المجازفة الكامنة في دخول مرحلة العمل المتقدمة من دون تربية كافية وبناء تنظيم مكافئ لها، وحاولوا تحريك قدم"محفوظ"عن موضعها الثابت، فكان كالطود الثقيل، وأبدى عناداً واعياً، واستمسك بالذي انتهت إليه الموازنات العقلية والمذاهب التجريبية، غير آبه بهتاف العواطف، ثم انتظر حتى صدَّقته الأيام والحوادث، وأخذت قصته مكانها المميز في التاريخ الإسلامي، وشهد له الفقه، وأذعن له الناشز، ويوم زرته بالمستشفى بالعاصمة الفرنسية قبل موته بأسبوعين بعد غيبة عنه طالت سنوات: قال لمن حوله من أعوانه وأركان جماعته: هذا الأخ الراشد أول من فهم موقفنا وأيدنا وشد أزرنا ولمح الخفي الذي غاب عن غيره.
عودة الفجر · الصفحة ٤٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
عودة الفجرص ٤٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي