إلا أنه لا يتأتى وجود هذه المفاهيم عن الأشياء، إلا إذا كانت مستندة إلى الفكر عن الحياة الدنيا، أي كانت نابعة من وجهة نظر عن الحياة الدنيا، توضح للإنسان معنى وجوده في هذه الحياة والغاية منها. فإن هو حدد لنفسه الغرض من وجوده في هذه الدنيا وماهي المهمة التي تفرضها عليه تلك الغاية استطاع أن ينظر من خلالها نظرة ثابتة إلى الأشياء، فيكيف سلوكه تجاهها على نحو يجعله منسجماً مع نفسه.
والفكر عن الحياة الدنيا أيضاً، لا يتركز تركزاً منتجاً إلا بعد أن يوجد الفكر عن الكون والإنسان والحياة وعما قبل الحياة الدنيا وعما بعدها، وعن علاقتها بما قبلها وما بعدها، وذلك بإعطاء الفكرة الكلية عما وراء هذا الكون والإنسان والحياة، لأنها القاعدة الفكرية التي تُبنى عليها جميع الأفكار عن الحياة. ذلك أن الإنسان يشعر ويدرك أن الحياة هي حلقة ضمن سلسلة متصلة الحلقات، وبالتالي فهي جزء من كل، لذلك كان إعطاء الفكرة الكلية عن هذه الأشياء هو حل العقدة الكبرى عند الإنسان، والتي ما زالت تلح عليه منذ أن وجد على وجه الأرض، ولا زالت تقلقه مالم يحلّها. ومتى حلت هذه العقدة الكبرى حلت باقي العقد، لأنها جزئية بالنسبة لها أو فروع عنها.
فإذا ما حصل الإنسان على هذا الحل فإنه يكون قد حصل على العقيدة، وعلى القاعدة الفكرية التي يبنى عليها كل فكر فرعي عن السلوك في الحياة وعن أنظمة الحياة. وبعبارة أخرى يكون قد حصل على "المبدأ".
فالمبدأ في اصطلاح الناس جميعاً هو الفكر الأساسي الذي تبنى عليه أفكار. ولا يصح أن يسمى الفكر مبدأ إلا إذا كان فكراً أساسياً تنبثق عنه كل الأفكار عن الحياة. والفكر الأساسي هو الذي لا يوجد قبله فكر مطلقاً. وهذا الفكر الأساسي محصور في الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة ولا يوجد غيرها فكر أساسي، لأن هذا الفكر هو الأساس في الحياة.