من هنا فإن الذي يقود الشعوب والأمم إلى النهضة هو الفكر الذي تحمله. كما أن الفكر أيضاً قد يكون هو السبب في انحطاط الشعوب. فإنه برقيّ الفكر الذي يحمله شعب من الشعوب يرقى وبانحطاطه ينحط. وما الحضارة لدى المجتمع إلا ذلك البنيان الفكري الذي يشكل عقليته ويصوغ علاقاته وينظم مشاكله. وما رقي تلك الحضارة وما انحطاطها إلا بمقدار رقي ذلك الفكر أو انحطاطه.
فما هو الفكر الراقي؟ وما هو الفكر المنخفض؟
إن الفكر الراقي هو ذلك الفكر الشامل المتكامل المتماسك، القادر على أن يعطي الإنسان رأياً عن كل شيء يرتبط بسلوكه، وموقفاً إزاء أي حدث، ويستطيع إعطاء نظام ينظم علاقات المجتمع كلها دون إغفال ناحية من نواحيه، تنظيماً دقيقاً متناسقاً متناغماً، بحيث يوجد في ذلك المجتمع نسقاً من العيش أو نمطاً من السلوك منسجماً وذا طراز معين ولون محدد، فلا تتضارب معالجاته، ولا تتناقض قواعده، ولا يأكل بعضها بعضاً. فهكذا فكر من شأنه أن يجعل من الجماعة البشرية التي تحمله وتطبق نظامه مجتمعاً متماسكاً قوياً يسير ارتقائياً نحو النهضة. ذلك أنه استطاع أن ينسّق علاقات المجتمع ويخلصه من الاضطراب والتناقضات والصراعات الداخلية.
ولكن المشكلة تكمن في كيفية الحصول على ذلك الفكر الراقي الذي يتمتع بتلك الصفات ويتميز بذلك التكامل وتلك الشمولية. فمن أين للمجتمعات ذلك؟