إذا كانت مهمة الحركات السياسية في المجتمع المنحط هي النهوض به، فمن البدهي أن يكون فكرها مغايراً للعرف العام، ومشاعرها مخالفة للمشاعر الطاغية، أي أنها تتمتع بفكر لا يتمتع به المجتمع، تستطيع به تغيير هذا المجتمع، وإلا فإن وجودها لا معنى له، بل ربما كان عدم وجودها أفضل، لأن الذي يريد أن يرتقي بالناس عليه هو أولاً أن يكون راقياً، ومن البداهة أن فاقد الشيء لا يعطيه. وهذا ما يمّيز الدعوات المبدئية التي تلتزم بالمبدأ عن الدعوات الواقعية وهي التي تساير الواقع.
فالدعوات الواقعية هي الدعوات التي تشعر بفساد الواقع القائم الذي تعيشه الأمة، وتشعر بوجوب التغيير، ولكنها تنتقل من هذا الشعور فوراً إلى العمل، دون أن يسبق هذا العمل تفكير في حقيقة المشكلة التي يعاني منها المجتمع، ودون التفكير في الفكرة التي يراد النهوض بالمجتمع على أساسها، ولا في الطريقة التي ستسلكها من أجل الوصول إلى هدف محدد، فتقوم بأعمال مرتجلة عفوية غير مدروسة، وكثيراً ما تكون غير هادفة.
فيكون عملها في حقيقة الأمر مستمداً من الواقع الفاسد الذي تعيشه، أي إنها جعلت الواقع - رغم فساده - مصدر المعالجة بدل أن يكون موضع المعالجة. مما يجعل عملها تَكيّفاً مع الواقع الفاسد وتكريساً للأسس التي يقوم عليها هذا المجتمع.