حدث ذلك حين بدأ الاحتكاك الفكري بالشعوب التي فتح المسلمون بلادها، من رومية نصرانية وفارسية وهندية وقبطية وغيرها. وكانت تلك الشعوب تحمل قبل الفتح الإسلامي ثقافات وأفكاراً عميقة الأثر في نفوسهم. وكان على المسلمين أن يشمروا عن سواعدهم لخوض صراع فكري مع هؤلاء حتى يوصلوا إليهم الإسلام. فالفتوح الإسلامية إنما شرعت لهذا السبب، وكان كل فتح يعقبه انتشار للعلماء والدعاة حتى يدخل الناس في دين الله أفواجاً. فخاض بعضهم غمار مجادلة أهل الكتاب الذين كانوا ينتشرون في بلاد الشام وشمال إفريقية وبعض العراق، وخاض بعضهم غمار مجادلة المجوس الفارسيين وبعضهم جادل الوثنيين من هنود وصينيين وغيرهم.
لقد كان البدهي أن يحقق المسلمون انتصاراً ساحقاً على كل الثقافات والحضارات والأديان التي كان يعتنقها الكفار من الشعوب المفتوحة، ولم يستغرق الأمر سنين طوالاً، بل لقد دخلت شعوب تلك البلاد الإسلام بأسرع من لمح البصر في حساب تاريخ الشعوب والأمم، وهجرت حضاراتها وثقافاتها وانصهرت في حضارة الإسلام وتثقفت بثقافته.