إن لنا أن نتصور - لو لم يكن رسول الله هو حامل الدعوة - أن حَمَلَة الدعوة قد يتنازلون عن بعض أفكارهم ومواقفهم ويداهنون أعداءهم ويسايرونهم حتى يخفّفوا من نقمة المجتمع والحكام، وحتى يستميلوا إليهم أتباعاً لدينهم بعد إجراء التعديلات عليه على نحو يوافق عقليات الناس وأمزجتهم، كما يفعل كثير من أصحاب الدعوات. وعلى الرغم من أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - معصوم لا يتصور منه ذلك، إلا أن القرآن الكريم يحذره من الوقوع في تلك الحبائل الشيطانية التي يحيكها صناديد قريش، لاسيما المداهنة والمسايرة والتملق. فيقول تعالى: ﴿ فلا تطع المكذبين * ودّوا لو تدهن فيدهنون ﴾(1). وبعض الآيات تصرح بأن الكفار كادوا أن يصرفوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن بعض الإسلام لولا تثبيت الله تعالى له، حين قال تعالى: ﴿ وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً * إذاً لأذقناك ضِعف الحياة وضِعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً ﴾(2). قال القرطبي في تفسير هذه الآيات: "هو قول أكابر قريش للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أطرد عنا هؤلاء السقاط والموالي حتى نجلس معك ونسمع منك، فهمّ بذلك حتى نهي عنه. وقال قتادة: ذكر لنا أن قريشاً خلوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويفخّمونه ويسوّدونه ويقاربونه، فقالوا: إنك تأتي بشيء لا يأتي به أحد من الناس، وأنت سيدنا يا سيدنا، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، وأنزل الله تعالى هذه الآية... ولما نزلت هذه الأية ﴿ولولا أن ثبتناك...﴾ الآية، قال عليه السلام: اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين... وقال ابن عباس: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معصوماً، ولكن هذا تعريف
(1) - سورة القلم - الآيتان (8 - 9)
(2) - سورة الإسراء- الآيات (من 73 حتى 75)