وبعضهم رأى أن رقيّ الحضارات هو نتيجة تحدٍّ تواجهه الشعوب، سواء كان ذلك التحدي داخلياً، أي بين فئات الشعب الواحد وطبقاته، أو كان تحدياً بين شعب وآخر، مما يؤدي إلى نشاط حيوي في المجتمع ينتج عن استجابة النخبة الواعية من ذلك المجتمع لمواجهة تلك التحديات، فيكون ذلك سبباً لنهضته. ويمثل هذا التفسير المؤرخ "توينبي" الإنكليزي المتوفى سنة 1975 الذي وافق شبنغلر في فكرة "أن تاريخ العالم يسير في دورات كبرى من الارتفاعات والانخفاضات وهو محصلة كلية للحضارات المختلفة التي تمر بالمراحل نفسها: الميلاد والنمو والسقوط والتفكك والتدمير"(1)، إلا أنه أضاف التعليل الذي ذكرناه لظاهرة النهضة(2). أما عن سقوط الحضارات، فيرى توينبي أن سببه هو عجز النخبة الخلاقة عن الاستمرار في مواجهة التحديات المستمرة كما واجهتها بداية الأمر، فيقول:"عندما تنحط الأقلية الخلاقة في تاريخ أي مجتمع من المجتمعات إلى أقليّة مسيطرة تحاول أن تحافظ بالقوة على مركز لم تعد تستأهله، هذا التبدل الهدام في طبيعة العنصر الحاكم يحفز البروليتاريا (الأكثرية) على الانفصال عنه والتخلي عن تلقائيّتها وحريتها في الانجذاب إليه ومحاكاته(...) وهكذا يشكل سقوط الحضارة طبقة محاربة داخل مجتمع واحد لم يكن كيانه في دور النمو الحضاري منقسماً على ذاته انقسامات حادة..."(3).
(1) - الموسوعة الفلسفية - مادة توينبي.
(2) - نقلاً عن: عماد الدين خليل - التفسير الإسلامي للتاريخ - ص 74.
(3) - نقلاً عن: عماد الدين خليل - التفسير الإسلامي للتاريخ - ص 84.