تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلئن قامت كل الحضارات الأخرى ونشأت رويداً رويداً من تراث الماضي بما حوى من ضروب الرأي وتيارات الفكر، واستغرقت في تبلورها إلى شكلها الخاص وكيانها المحدد آماداً طويلة من الزمن، فلقد انفردت حضارة الإسلام وحدها بانبجاسها إلى الحياة دون سابق عهد أو انتظار.

وقد جمعت هذه الحضارة، من فجر نشأتها، كل المقومات الأساسية لحضارة مكتملة شاملة. فقامت في مجتمع واضح المعالم، له نظرته الخاصة إلى الحياة، وله نظامه التشريعي الكامل وله نهجه المحدد للعلاقات بين الأفراد، بعضهم ببعض داخل هذا المجتمع.

ولم يكن قيامها ثمرة تقاليد زخر بها الماضي، ولا وليد تيارات فكرية متوارثة، ولكن هذه الحضارة، كانت وليدة حدث تاريخي فريد وهو تنزيل القرآن الكريم".(1)

إن المفكرين الغربيين - ولا سيما المستشرقين منهم- ثم العلمانيين من المثقفين في العالم الإسلامي لم يطيقوا العجز عن تطبيق نظرية تواصل الحضارات الإنسانية على الحضارة الإسلامية، فراحوا يتلمسون في التاريخ الإسلامي الظواهر والأحداث والنصوص والآثار التي يمكن امتطاؤها لادعاء أن الحضارة الإسلامية هي امتداد لسائر الحضارات السابقة والمعاصرة لها من جاهلية ورومانية وفارسية وهندية وغيرها. إلا أن الباحث النزيه يقطع بأن هذه المحاولات كانت عبثاً وأنها طَرْق لباب المستحيل، كالذي يحاول إثبات أن الوالد أصغر عمراً من ولده.

(1) - الإسلام والتحدي الحضاري. ص 19 - 20

أسس النهضة الراشدة · الصفحة ١١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أسس النهضة الراشدةص ١١٤