تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومعنى استغلال الغلام لموقف الدابة التي تسد على الناس الطريق هو حياة الدعوة في كيان الغلام فهذه الحياة هي التي جعلته يلتقط الموقف بمعناه الكامل وأبعاده النهائية وهذا شأن الدعوة حينما تكون حياة الداعية فينظر إلى كل شيء من خلالها ويفسر بها أي معنى أو حدث لأنها عقيدته وتصوره وواقعه وليست رغبة شخصية قد تتغير أو ميلاً بالفكر قد ينسى.

( ... ورجع الغلام إلى الراهب فأخبره). وهذا هو التصرف التلقائي عندما يواجه الداعية موقفاً خطيراً أو حدثاً هائلاً فيذهب متلهفاً إلى من تلقى منه منهج الدعوة ليسمع منه تفسير هذا الموقف بتصور الدعوة (فقال له: أي بني أنت اليوم أفضل مني) ولم يكن الموقف الذي وقفه الراهب موقفاً عادياً عندما قال للغلام ذلك ولكنه موقف فاصل في حياة كل داعية. فقد تخفي الدعوة في الإنسان الذي يمارسها حباً خفياً للتميز باعتبار أن هذه الممارسة صورة من صور تميزه على الناس.

ولكن هذه العورة النفسية القبيحة تنكشف حتماً إذا واجه الإنسان موقفاً يشعر فيه أن هناك من هو أفضل منه في فهم الدعوة وأقدر على تحقيق مصلحتها. ولكن الراهب لم يكن من هذا النوع بل كان تقياً نقياً (فقال له: أي بني أنت اليوم أفضل مني) كلمات كلها إخلاص وتجرد. فهذا الراهب المعلم كان أصيلاً إذ أخبر الغلام أنه قد أصبح أفضل منه بلا حرج، ومن أين سيأتيه الحرج وقد خلصت نفسه لله تبارك وتعالى؟ فهو لم يكن يعلم ليقال عنه عالم، ولم يكن يدعو ليكون على رأس أتباع؛ ولهذا يفتح الطريق لمن يظن أنه يملك خدمة الدعوة أكثر منه؛ فيجعل من نفسه نقطة على محيط دائرة النمو العقيدي والحركي للغلام فيقول له: (أنت اليوم أفضل مني) وإذا تذكرنا أن الغلام كان صغيراً سناً، وأنه ما التقى بالراهب إلا منذ وقت قريب فإننا ندرك مدى الفهم الصحيح عند الراهب للدعوة؛ فالدعوة ليست بالعمر الذي يعيشه الإنسان ولكن بالإيمان والكفاءة والأثر.

وبذلك يمثل الراهب في واقع الدعوة ضرورة القيادة الزاهدة، ويمثل الغلام ضرورة الاستجابة الفطرية.

فالقائد كان راهباً لايريد حظاً من الدنيا، والمستجيب كان غلاماً حديث عهد بالدنيا. فالقيادة الزاهدة والاستجابة الفطرية هي الارتباط الصحيح الذي يبارك الله فيه ليكون بداية البناء وأساسه، وهي المقياس الذي يقبل به أي ارتباط أو يرفض منذ البداية حتى يتم البناء.

وبعد أن رأينا التجرد في قول الراهب. نرى الوجدانية؛ إذ أن الراهب أخبر غلامه بأنه أفضل منه بنفس راضية وبقوله: (أي بني).

وإذا تذكرنا أن العلاقة بين الراهب والغلام علاقة إنسانية ناشئة في مجال الدعوة ونجدها قائمة بهذه الوجدانية نعلم أنه مهما كانت العلاقة الإنسانية في العمل الحركي حاسمة وساخنة فلابد أن لا تنقصها الوجدانية.

وبعد أن رأينا التجرد والوجدانية نرى التربية الحركية الصحيحة. إذ أن الراهب لما ذكر للغلام ميزته أتبعها بالمسئولية التى تقع عليه باعتبار تلك الميزة وهذا في الواقع حماية للإنسان من الغرور؛ لأن الإحساس بتكاليفها يجعل الإنسان يعيش في شعور دائم بميزاته فينحرف به ذلك الشعور إلى الغرور ولهذا لما قال الراهب للغلام: (إنك اليوم أفضل مني) قال له: (وإنك ستبتلى).

(فلا تدل عليَّ).

وهذه هي فكرة السرية في منهج الحركة التي يعطي بها الدعاة لأنفسهم فرصة لتجميع الطاقات وحشد الإمكانيات.

والسرية من الناحية العملية ضرورة تنشئها ظروف الدعوة وتتحدد ضرورتها بمنهجية الفكر وواقعية الأسلوب الشجاع.

أصحاب الأخدود · الصفحة ١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أصحاب الأخدودص ١٢