تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما ما زعموا أنه (إفك افتراه) فلماذا لم يعارضه البلغاء والشعراء والحكماء وقد تحداهم وأمهلهم ثلاثاً وعشرين سنة؟ فعجزهم يدل على كذبهم، وتناقض أقوالهم، فقولهم السابق يجعل القرآن من إنشاء محمد صلى الله عليه وسلم بالاشتراك مع آخرين وقولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ ينفي القول الأول. وقولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يثبت أميته وعدم معرفته للقراءة والكتابة.

أما الآراء الأخرى فلا تستحق المناقشة كما فعل معها القرآن، حيث أوردها ولم يردّ عليها لتفاهتها (1)، ذلك أن منشأها هو العجز عن كبت دعوة الحق بالإنكار والسخرية، لجؤوا إليها كنوع من الحرب النفسية المنظمة:

قالوا عنه: كاهن، وهو الذي يخبر بالأخبار الماضية الخفية؛ مستمدًّا لها من الجن. فهل يحتمل أن يكون محمد عليه الصلاة والسلام كاهناً لأنه أخبر ببعض الغيب؟ ولم نسمع أن كاهناً وضع كتاباً _ لا قبله، ولا بعده _ فضلا عن أن يضع القرآن الكريم.

قالوا عنه: مجنون، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾، والجنون: اختلال في العقل يحرم صاحبه من سداد التصرف.

فإن كانوا صادقين فلماذا حكّموه في أصعب مشكلة اجتماعية: وضع الحجر الأسود في مكانه عند بناء البيت، وهم يعلمون أن المجنون لا يتبعه عاقل يحترم نفسه؟ وهذا تناقض أثبتوه بقولهم إنه: ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ (2).

وقالوا عنه: شاعر، فهناك فروق جوهرية بين ما جاء به من القرآن وبين الشعر، ولو كان شاعراً لقرَّبَ إليه الشعراء وجالسهم، والذي حصل عكسه كما قال الله عز وجل: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: 224].

(1) () المرجع السابق ص 304 وما بعدها باختصار وبتصرف.

(2) () والله تعالى نفى عنه الكهانة والجنون ﴿ ... فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: 29].

آراء المستشرقين حول مفهوم الوحي · الصفحة ١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

آراء المستشرقين حول مفهوم الوحيص ١٧