إلا فريقاً من المؤمنين قال: هم المؤمنون كلهم " (1)، وقد أشار الفخر الرازي إلى أن هذه الحقيقة، وهي كثرة أتباع الشيطان، نقلية الثبوت كما هي عقلية الثبوت أيضاً حيث يقول: " فإن قيل: النقل والعقل يدلان على أن حزب الشيطان أكثر عدداً من حزب الله. أما النقل فقوله تعالى في صفة البشر (فاتبعوه إلا قليلاً منهم) (2) وقال حاكياً عن الشيطان ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلاً﴾ (3) وحكي عنه أيضاً أنه قال ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (4) ولا شك أن المخلَصين قليلون.
وأما العقل: فهو أن الفساق والكفار أكثر عدداً من المؤمنين المخلصين ولا شك أن الفساق والكفار كلهم حزب إبليس. " (5)، ويرِدُ على هذه القضية - كثرة أتباع إبليس في الدنيا والآخرة - اعتراضٌ متعلق بقوله تعالى: ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ (6) فقيل: كلمة النصيب تدل على القلة، أو على عدم الكثرة، وقد ردَّ الفخر الرازي على هذا الاعتراض فقال: " لِمَ قال: (لأتخذن من عبادك نصيباً) مع أن لفظ النصيب لا يتناول القِسْم الأكثر وإنما يتناول الأقل؟. والجواب: أن هذا التفاوت إنما يحصل في نوع البشر، أما إذا ضُمَّت زمرة الملائكة مع غلبة كثرتهم إلى المؤمنين كانت الغلبة للمؤمنين المخلصين، وأيضاً فالمؤمنون وإن كانوا قليلين في العدد إلا أن منصبهم عظيم عند الله، والكفار والفساق وإن كانوا كثيرين في العدد فهم كالعدم، فلهذا السبب وقع اسم النصيب على قوم إبليس " (7)
وقد أثار العلماء القدماء والمحدثون سؤالاً حول هذه الآية يتعلق بظن إبليس في إضلال البشر فهل كان إبليس يعلم حقيقة أنه سيغوي هذا العدد الكبير من الناس
(1) - الدر المنثور - للسيوطي - ج 22 - ص 695
(2) - سورة الأنعام، الآية 153
(3) - سورة الإسراء، الآية 62
(4) - سورة الحجر، الآية 39
(5) - التفسير الكبير - للرازي - ج 11 - ص 38
(6) - سورة النساء، الآية 118
(7) - التفسير الكبير - للرازي - ج 11 - ص 38