الأحرف الأربعة الناصبة بنفسها:
الأول: "أن" المصدرية١ المحضة الناصبة للمضارع. وعلامتها اجتماع أمرين معا: "أن تقع في كلام يدل على الشك٢، أو على الرجاء والطمع"٣، "وأن يقع بعدها فعل" فهي لا تقع في كلام يدل على اليقين والتحقق، ولا في كلام يدل على الرجحان٢ ...، ولا تدخل على غير فعل. فمثال وقوعها بعد الشك: "أي الأمرين أجدر بالعاقل؛ أن يداري السفيه أو أن يقاطعه؟ فلقد عجز الرأي الحكيم عن ترجيح أحدهما". ومثال الرجال والطمع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾، وقول الشاعر:
المرء يأمل أن يعيـ ... ـش، وطول عيش قد يضره
فأما التي تقع في كلام يدل على اليقين فهي "الخففة من الثقيلة"٤ نحو: أعتقد أن سينتصر الحق، ولو تأخر انتصاره ...، أي: أنه سينتصر ...
وأما التي تقع في كلام يدل على الرجحان "أي: الظن الغالب" فتصلح للنوعين؛ نحو: "من غره شبابه، أو ماله، أو جاهه، وظن أن يسالمه الدهر فقد عرض نفسه للمهالك".
١ "أن" حرف متعدد الأنواع، وستجيء إشارة لأنواعه ملخصة موجزة -في ص٢٩٠- ومنها: "أن المصدرية". ويصح أن يقال: "أن" المصدري، أي: الحرف المصدري. كما يقال "أن" المصدرية، أي: الكلمة المصدرية؛ فالتذكير على اعتبار الحرف، والتأنيث على اعتبار الكلمة. وهذا يصدق على جميع الحروف الناصبة، وغيرها. "انظر هامش ص٢٨٩ ورقم ١ من هامش ص٣٧١".
٢ و٢ اليقين: هو قطع المتكلم بثبوت أمر، وتحققه، سواء أكان هذا اليقين صحيحا في الواقع أم غير صحيح، وسواء أكان الثبوت والتحقق سلبا أم إيجابا. والشك هو: استواء التصديق والتكذيب في نفس المتكلم، بحيث لا يستطيع أن يصل إلى القطع والجزء بثبوت الشيء أو بنفيه؛ لعدم وجود مرجح لأحدهما. والظن أو الرجحان: هو تغلب أحد الأمرين على الآخر في قوة الدليل تغلبا لا يصل إلى حد اليقين وقد سبق الكلام على هذا، في ج٢ م٦ ص٥ أول باب: "ظن وأخواتها".
٣ أي: الأمل.
٤ سبق البيان الشافي عنها في المكان الأنسب "ج١ ص٥١٥ م٥٥ باب: إن وأخواتها" لأنها من أخوات "إن" تنصب الاسم وترفع الخبر؛ فلا تنصب المضارع. ويجيء لها بيان مناسب في ص٢٩٠.