قال ابن القيم: (وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية يقول: جزم بأنهم كائنون في الأمم قبلنا، وعلّق وجودهم في هذه الأمة بـ (إن) الشرطية مع أنها أفضل الأمم، لاحتياج الأمم قبلنا إليهم، واستغناء هذه الأمة عنهم (1) بكمال نبيها ورسالته، فلم يُحوِج الله الأمة بعده إلى محدَّث ولا ملْهَم، ولا صاحب كشف ولا منام، فهذا التعليق لكمال الأمة واستغنائها لا لنقصها) (2).
وأما ما يقوله كثير من أصحاب الخيالات والجهالات: (حدثني قلبي عن ربي)، فصحيح أن قلبه حدَّثه ولكن عمَّن؟ عن شيطانه؟ أو عن ربه؟ فإذا قال: (حدثني قلبي عن ربي) كان مسنداً الحديث إلى مَن لم يعلم أنه حدَّثه به، وذلك كذب (3).
قال ابن تيمية: (ومحدَّث الأمة - يعني عمر بن الخطاب - لم يكن يقول ذلك، ولا تفوَّه به يوماً من الدهر، وقد أعاذه الله من أن يقول ذلك، بل كتب كاتبه يوماً: (هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب) فقال: لا، امحه واكتب (هذا ما رأى عمر بن الخطاب، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمن عمر، والله ورسوله منه بريء).
وقال في الكلالة - ميراثُ من مات وليس له أصل ولا فرع وارث: (أقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان).
فهذا قول المحدَّث بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنت ترى الاتحادي، والحلولي، والإباحي، والشطاح يجاهر بالفرية فيقول: (حدثني قلبي عن ربي)!.
فانظر إلى ما بين القائلين والمرتبتين، والقولين والحالين، وأعط كل ذي حق حقه، ولا تجعل الزغل الخالص شيئاً واحداً) (4).
وقال أبو زيد الدبوسي: (وقد ابتُليت بقوم زعموا أن العبد يرى ربه بقلبه فيعرفه بلا نظر، ولا استدلال بالآيات، وهذا قول لم يكن في السلف).
والقلب مضغة ليس لها حاسة رؤية، مثل ما ليس لسائر الأعضاء حاسة رؤية، فلا فرق بين قول من يقول: (رأيت ربي بقلبي) وبين قول من يقول: (رأيت ربي بيدي أو سمعي).
قال: وإنما رؤية القلب علمه بنظره، ونظره التفكر، لا يتصور غير ذلك. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تفكروا في الآيات، ولا تتفكروا في الذات) (5)؛ لأن
(1) ضمير الجمع راجع إلى المحدَّثين الذين ورد فيهم النص المتقدِّم.
(2) مدارج السالكين جـ 1: 63.
(3) المصدر نفسه، ج 1: 64.
(4) مدارج السالكين جـ 1: 64.
(5) الحديث ضعيف، أورده الحافظ السخاوي بطرق مختلفة. ينظر: المقاصد الحسنة ص 159.