تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا الانحراف في "السلوك"، وكان هذا البحث خطوة متواضعة في طريق إحياء الأمة حتى يعود لها مجدها ونهضتها ورفعتها وتمكينها بعد أن تعود إلى حقائق دينها فهمًا وتطبيقًا.

والذي يقولون اليوم: إنّ هذا الطرح للهويّة الإسلامية هو أشبه ما يكون بالتحليق في عالم الأحلام! وإنّ الواقع أبعد ما يكون عن تحقيق الهويّة الإسلاميّة بصورتها الجماعية.

الذين يقولون هذا الكلام جاهلون! لأنّهم لا يدركون طبيعة التغيّرات الكبرى التي تجري وفق سنن الله سبحانه وتعالى في هذه الحياة الدنيا.

إنّهم يرون في أيّة محاولة لمخالفة المعايير السائدة التي تحكم جميع العالم اليوم نوعا من "التطرّف"! إذ يرون في رفض أفكار الوطنيّة والقوميّة ضربًا من الخيال بعيدا عن الواقع. وإنّني لأحسب أنّ هؤلاء يرون الصورة بهذا الشكل بسبب النظرة القريبة المحدودة التي ينظرون بها إلى الأوضاع في العالم، فلو أنّهم تذكّروا أنّ هذه المبادئ لم يتجاوز عمر بعضها أكثر من مائة عام في بلاد المسلمين، وأنّها قبل ذلك كانت مستهجنة كما يستهجنون هم اليوم الدعوة إلى قلب المعايير القوميّة والوطنيّة والعودة إلى مفاهيم الهويّة الإسلاميّة! وأنها ما رسخت في بلاد المسلمين من دون "دعوة" مكثّفة قامت بين الناس، قادَها في بلاد المسلمين مفكّرون وعلماء وقادةٌ وسياسيّون ومدسوسون ومستغفلون، عملوا على "تربية" العقلية المسلمة عبر العقود على تقبّل هذه المفاهيم وكأنها هي "الأمر الواقع" الذي لا مفرّ منه بعد بثّها وتجميلها .. فلو أنّهم تذكّروا هذه الحقائق ماذا عساهم قائلون؟!

إنّ المشكلة عند هؤلاء فيما أحسب تكمن في إضفاء الشرعية على "الأمر الواقع"، باعتباره "حتميات تاريخية" لا يمكن التنكّر لها أو مخالفتها، وهم في هذا قريبون من التفسير المادّي للتاريخ الذي يرى في الهويّة الإسلامية رابطة تجاوزها التاريخ! متغافلا عن أنّ التطبيق الواقعي لمفهوم ما على مدى قرون ونجاحه في هذا التطبيق بدرجات كبيرة (كما هو حال الهوية الإسلامية) لهو رصيد أساسيّ لدعم فكرة إعادة هذا التطبيق! ومتغافلا كذلك عن أنّ دور الإنسان في تغيير الواقع وفقًا للمبادئ التي يؤمن بها هو دور أصيل لا يمكن التنكّر له أيضًا، حتّى لو كان هذا التغيير يسير بشكل بطيء.

وحين نعود في التاريخ إلى تجربة أوروبّا نتساءل: أوَ كان يتصوّر أحدٌ من الناس في عهود الرابطة الكنسية الدينيّة قبل نشوء القوميّات أنّه يمكن إقامة دول على أساس القوميّات؟ ثم هل كان أحد يتصوّر بعد ذلك في عهود الصراع الدمويّ بين هذه القوميّات الأوروبيّة المختلفة أنّه سيأتي يوم وتتّجه أوروبا إلى الوحدة مرّة أخرى كما هو حالها الآن؟!

إنّ المشكلة تكمن في جعل الواقع "مصدرًا" للمبادئ، بدلا من محاولة تغيير هذا الواقع وفقًا لهذه المبادئ ولو بالطريقة التراكميّة البطيئة.

وأقول لهؤلاء: ألم تقم الثورة الفرنسيّة بفرض القيم "الديمقراطية" وقيم "الدولة المدنية" الحديثة بعد عقود طويلة من النشاط الذي قام به مفكّرون وعلماء ونشطاء ومربّون يدعون إلى هذه المفاهيم التي كانت غريبة على "الواقع" الموجود آنذاك، وبعد جهد كبير من التضحيات في سبيل تحقيقها؟ ثمّ ألم ينجح هذا الحراك المجهد الطويل في إحداث التغيير المنشود لديهم وقلب المعايير التي كانت في يوم ما هي "الواقع" الثقيل المعهود؟! فما بالنا نتنكّر لقيم الإسلام الأصيلة حين تطرحها الدعوة وتواجه بها المفاهيم العلمانية الدخيلة على فكر الأمة بحجّة ثقل الأمر الواقع؟! ما بالنا لا ننظر إلى المستقبل

الهوية والشرعية · الصفحة ٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الهوية والشرعيةص ٩٠