٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: ثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ: ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: ثَنَا أَبُو كَعْبٍ الْأَزْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ رضي الله عنه يَقُولُ: «الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا كَالْغَرِيبِ لَا يَجْزَعُ مِنْ ذُلِّهَا وَلَا يُنَافِسُ فِي عِزِّهَا، لِلنَّاسِ حَالٌ وَلَهُ حَالٌ»
٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ قَالَ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ الْمُؤَدِّبُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ:
[البحر الرمل]
وَتَرَى الْمُؤْمِنَ فِي الدُّنْيَا ... غَرِيبًا مُسْتَفَزًّا
فَهُوَ لَا يَجْزَعُ مِنْ ذُلٍّ ... وَلَا يَطْلُبُ عِزًّا
وَتَرَاهُ مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ ... خَلْوًا مُشْمَئِزًّا
ثُمَّ بِالطَّاعَةِ مَا عَاشَ ... وَبِالْخَيْرِ مُلِزًّا
⦗٢٤⦘
٩ - قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رحمه الله: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ»؟ قِيلَ لَهُ: كَانَ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ أَدْيَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، يَهُودٌ وَنَصَارَى وَمَجُوسٌ وَعَبْدَةُ أَوْثَانٍ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ كُلِّ طَبَقَةٍ مِنْهُمْ غَرِيبًا فِي حَيِّهِ، غَرِيبًا فِي قَبِيلَتِهِ، مُسْتَخْفِيًا بِإِسْلَامِهِ، قَدْ جَفَاهُ الْأَهْلُ وَالْعَشِيرَةُ، فَهُوَ بَيْنَهُمْ ذَلِيلٌ حَقِيرٌ، مُحْتَمِلٌ لِلْجَفَاءِ، صَابِرٌ عَلَى الْأَذَى، حَتَّى أَعَزَّ اللَّهُ عز وجل الْإِسْلَامَ، وَكَثُرَ أَنْصَارُهُ وَعَلَا أَهْلُ الْحَقِّ، وَانْقَمَعَ أَهْلُ الْبَاطِلِ، فَكَانَ الْإِسْلَامُ فِي ابْتِدَائِهِ غَرِيبًا بِهَذَا الْمَعْنَى، وَقَوْلُهُ ﷺ: «وَسَيَعُودُ غَرِيبًا» مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: أَنَّ الْأَهْوَاءَ الْمُضِلَّةُ تَكْثُرُ فَيَضِلُّ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَيَبْقَى أَهْلُ الْحَقِّ الَّذِينَ هُمْ عَلَى شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ غُرَبَاءَ فِي ⦗٢٥⦘ النَّاسِ لِقِلَّتِهِمْ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةٍ، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةٌ، فَقِيلَ: مَنْ هِيَ النَّاجِيَةُ؟ فَقَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي، وَبِقَوْلِهِ ﷺ: مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا يَدَ لَكَ بِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَإِيَّاكَ وَعَوَامِّهِمْ، ⦗٢٦⦘ فَإِنَّ فِيهِمْ أَيَّامُ الصَّبْرِ الصَّبْرُ فِيهِنَّ كَقَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، فَهَذِهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْغَرِيبِ الصَّابِرِ عَلَى دِينِهِ حَتَّى يَسْلَمَ مِنَ الْأَهْوَاءِ
١٠ - الْمُضِلَّةِ، وَمِنْ صِفَةِ الْغُرَبَاءِ أَيْضًا الَّتِي نُعِتَ بِهَا أَهْلُ الْحَقِّ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ مِثْلُ مُؤَاخَاةِ الْإِخْوَانِ، وَصُحْبَةُ الْأَصْحَابِ، وَمُجَاوَرَةُ الْجِيرَانِ، وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرْضَى وَشُهُودُ الْجَنَائِزِ، وَمَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَصَائِبِ، وَمَا يُسِرُّونَ بِهِ مِنَ الْأَفْرَاحِ بِالدُّنْيَا وَالْمُتَاجَرَةُ وَالْمُعَامَلَةُ وَالْمَحَبَّةُ وَالْبُضْعَةُ وَالْمُزَاوَرَةُ وَالْمُلَاقَاةُ وَالْمُجَالَسَةُ وَالِاجْتِمَاعُ فِي الْوَلَائِمِ وَأَشْبَاهٌ لِهَذِهِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ يَجْرِي بَيْنَهُمْ عَلَى خِلَافِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَيْهِمْ وَلِدُرُوسِ الْعِلْمِ فِيهِمْ، فَإِذَا أَرَادَ الْمُؤْمِنُ الْعَاقِلُ الَّذِي قَدْ فَقَّهَهُ اللَّهُ عز وجل فِي الدِّينِ وَبَصَّرَهُ عُيُوبَ نَفْسِهِ، وَقَبِيحَ مَا النَّاسُ عَلَيْهِ وَرَزَقَهُ مَعْرِفَةً بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَبَيْنَ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ وَبَيْنَ الضَّارِّ وَالنَّافِعِ، وَعَلِمَ مَا لَهُ مِمَّا عَلَيْهِ إِذْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَمَلَ بِالْحَقِّ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مَنْ قَدْ جَهِلَ الْحَقَّ، بَلِ الْغَالِبُ عَلَيْهِمُ اتِّبَاعُ الْهَوَى، لَا يُبَالُونَ مَا نَقَصَ مِنْ دِينِهِمْ إِذَا سَلِمَتْ لَهُمْ دُنْيَاهُمْ، فَإِذَا نَظَرُوا إِلَى مَنْ يُخَالِفُهُمْ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَمَقَتُوهُ وَخَالَفُوهُ وَطَلَبُوا لَهُ الْعُيُوبِ فَأَهْلُهُ بِهِ مُتَضَجِّرُونَ وَإِخْوَانُهُ بِهِ مُتَثَقِّلُونَ وَمُعَامِلُوهُ بِهِ غَيْرُ رَاغِبِينَ فِي مُعَامَلَتِهِ، وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ لَهُ عَلَى مَذْهَبِ الْحَقِّ مُخَالِفُونَ، فَصَارَ غَرِيبًا فِي دِينِهِ لِفَسَادِ دِينِ أَكْثَرِ الْخَلْقِ غَرِيبًا فِي مُعَامَلَتِهِ لِكَثْرَةِ فَسَادِ مَعَاشِ أَكْثَرِ الْخَلْقِ، غَرِيبًا فِي مُؤَاخَاتِهِ وَصُحْبَتِهِ لِكَثْرَةِ فَسَادِ صُحْبَةِ النَّاسِ وَمُؤَاخَاتِهِمْ، غَرِيبًا فِي جَمِيعِ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَا يَجِدُ عَلَى ذَلِكَ مُسَاعِدًا يَفْرَحُ بِهِ وَلَا مُؤَانِسًا يَسْكُنُ إِلَيْهِ، فَمِثْلُ هَذَا غَرِيبٌ مُسْتَوْحِشٌ لِأَنَّهُ صَالِحٌ بَيْنَ فُسَّاقٍ، وَعَالِمٌ بَيْنَ جُهَّالٍ، وَحَلِيمٌ بَيْنَ سُفَهَاءَ، يُصْبِحُ حَزِينًا، وَيُمْسِي حَزِينًا، كَثِيرٌ غَمُّهُ قَلِيلٌ فَرَحُهُ، كَأَنَّهُ مَسْجُونٌ كَثِيرُ الْبُكَاءِ كَالْغَرِيبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ وَلَا يَأْنَسُ بِهِ أَحَدٌ، يَسْتَوْحِشُ مِنْهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ» وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: فَلَوْ تُشَاهِدُهُ فِي الْخَلَوَاتِ يَبْكِي بِحُرْقَةٍ، وَيَئِنُّ بِزَفْرَةٍ، وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ بِعَبْرَةٍ، فَلَوْ رَأَيْتُهُ وَأَنْتَ لَا تَعْرِفُهُ لَظَنَنْتَ أَنَّهُ ثَكْلَى قَدْ أُصِيبَ بِمَحْبُوبِهِ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَنْتَ، وَإِنَّمَا هُوَ خَائِفٌ عَلَى دِينِهِ أَنْ يُصَابَ بِهِ، لَا يُبَالِي بِذَهَابِ دُنْيَاهُ إِذَا سَلِمَ لَهُ دِينُهُ، قَدْ جَعَلَ رَأْسَ مَالِهِ دِينَهُ يَخَافُ عَلَيْهِ الْخُسْرَانَ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ رحمه الله: رَأْسُ مَالِ الْمُؤْمِنِ دِينُهُ، حَيْثُ مَا زَالَ زَالَ مَعَهُ، لَا يُخَلِّفُهُ فِي الرِّحَالِ، وَلَا يَأْتَمِنُ عَلَيْهِ الرِّجَالَ. قَلْتُ: وَلِلْغَرِيبِ أَوْصَافٌ كَثِيرَةٌ، قَدْ ذَكَرْتُ مِنْهَا مَا يُكْتَفَى بِهِ عَنِ الْكَثِيرِ مِنَ الْقَوْلِ