3 - الأقنعة الكثيرة: أحد أسباب نجاح العلمانية هي قدرتها على التأقلم وتغير أقنعتها، وهذا يؤدي إلى بقائها على الساحة، فالمبررات المنطقية العلمانية تجعلها قادرة أيضاً على الدفاع عن أي فكرة أو نظام أو حاكم أو مصلحة أو عقيدة سواء كانت صحيحة أو خاطئة، فهي تتأقلم مع الواقع فأحياناً هي شيوعية وأحياناً هي رأسمالية، وأحياناً هي نازية، وأحياناً هي قومية أو وطنية، وأحياناً مع الأغنياء، وأحياناً مع الفقراء، فكل هذه المبادئ علمانية فالعلمانية لم تطرح نظاماً فكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً واحداً سيثبت الواقع والعقل نجاحه أو فشله، بل هي تتحرك بألف وجه، فالشيوعية سقطت، ولكن العلمانية بقيت لأنها تتبرأ من الشيوعية بعد سقوطها مع أن الشيوعية أكثر علمانية من الرأسمالية، وأصدق في علمانيتها في حين أن الرأسمالية تقبل الحلول الوسط، ولا تبحث عن الحقائق الفكرية، فالعلمانية تتأقلم مع الواقع وتغيير جلدها وتنوعه، وبالتالي تبقى كاسم، وتصلح لأي نظام وأي فكر وأي حاكم سواء كانوا صادقين أو كاذبين، فالعلمانية تفتح الأبواب لهم ليقولوا ما شاءوا والمبررات المنطقية العلمانية ستساندهم، وابتعاد العلمانية عن تحديد فكر وأنظمة وعقائد محددة ومفصلة جعلها تتبرأ ممن يسقط أو يفشل وتنسب إليها من يبقى وينجح جزئياً فاليوم أمريكا قوية فإذاً العلمانية هي الرأسمالية ونسي الناس أن الشيوعية علمانية أيضاً، فالعلمانية يؤيدها مخلصون ضائعون اقتنعوا بأحد وجوهها الكثيرة، ويتبنى بعض هذه الوجوه فئة غير مخلصة لا تهمها المبادئ بل تسعى لمصالحها وانحرافاتها وشهواتها، فمثلاً المنحرف أخلاقياً يجد في بعض الفلسفات العلمانية ما يؤيد أفكاره وانحرافه، ويعطيه الشرعية العلمية المزورة، فيعتبر هذا حرية شخصية، ومن يكره الأغنياء سيجد فيها أيضاً أفكاراً اشتراكية وشيوعية كلية أو جزئية تبرر أفعاله وأقواله، وهكذا بالاستناد إلى العقل المجرد يمكن تبني أي عقائد منحرفة بل يمكن اختراع فلسفات جديدة علمانية لإثبات " صحة " أي عقيدة منحرفة، فوجودها على الساحة العالمية ليس دليلاً لإثبات " صحة " العلمانية، وليس دليلاً على قوتها الفكرية، بل لأنها ثوب يستطيع أن يلبسه من يشاء لأنه ثوب ليس داخله فكر أو محتوى ثابت.
4 - المتاجرة بالشعارات والأهداف العامة: نجحت العلمانية نجاحاً كبيراً في جعل نفسها من خلال الشعارات والأهداف العامة وغيرهما كأنها المنقذ للإنسانية، فهي التي تطالب بالحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية وإنصاف المرآة، وهي أم التقدم العلمي المادي والتكنولوجي، وهي منبع الحضارة والغنى والرفاهية، وهي التي ستقضي على الحروب وعلى التعصب الديني