وقال في بلوغ الأماني: (يستفاد من هذا الحديث مشروعية تستر المرأة في كل شيء حتى في صلاتها وعبادة ربها، وكلما كانت في مكان أستر كان ثوابها أعظم وأوفر؛ لهذا أرشدها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أخفى مكان في بيتها وأبعده عن الناس، وهو - صلى الله عليه وسلم - لا يرشد إلا إلى كل خير، فبادرت بالعمل بإرشاده، وأمرت ببناء مسجد لها في أبعد ناحية لها في بيتها وأظلمها، ولا زالت تعبد الله عز وجل حتى ماتت – رحمها الله -) (1).
وعن عائشة – رضن الله عنها – قالت: أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعتمة حتى ناداه عمر: نام النساء والصبيان، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ما ينتظرها أحد غيركم من أهل الأرض" ولا يصلى يومئذ إلا في المدينة، وكانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول (2).
فهذا الحديث دل على وجود النساء في المسجد وحضورهن الجماعة. وليس هذا بواجب عليهن.
قال أبو محمد بن حزم: (وأما النساء فلا خلاف في أن شهودهن الجماعة ليس فرضاً، وقد صح في الآثار كون نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجرهن لا يخرجن إلى المساجد) (3).
وإذا استأذنت المرأة زوجها في الخروج إلى المسجد ملتزمة بالشروط المعتبرة فإن يأذن لها؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر الأزواج بذلك؛ فعن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن" (4).
وعنه – أيضاً – رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) (5).
(1) بلوغ الأماني (5/ 199).
(2) أخرجه البخاري رقم (826)، ومسلم رقم (638). و (أعتم) بمعنى دخل في العتمة، ومعناه: آخر صلاة العتمة. والعتمة: ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق "عمة القاري" (4/ 214).
(3) المحلى (4/ 196).
(4) أخرجه البخاري رقم (827)، ومسلم رقم (442).
(5) أخرجه مسلم (442)، وأخرجه البخاري بأطول من هذا رقم (858).