تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لن يغني هؤلاء الإنسانيين -على قلتهم- أنهم مؤمنون بالله, أو أنهم لم يشركوا بالله في عبادته, أو أنهم قدموا نفعاً للبشرية -كما يقوله بعض المفكرين- طالما أنهم لم يؤمنوا بـ"نبوة محمد" صلى الله عليه وسلم .. ولذلك قال مفسر المعتزلة العلامة جارالله الزمخشري:

(من لم يجمع بين الإيمانين: الإيمان بالله وبرسوله فهو كافر)

وقد دل على ذلك قوله تعالى في سورة الفتح:

﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾

فمن لم يجمع الإيمانين فهو كافر.

وقد علل الله سبحانه حبوط كثير من الأعمال بالكفر بـ"نبوة محمد" صلى الله عليه وسلم وقرنها بالكفر به سبحانه كما قال تعالى:

﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾

وقال تعالى أيضاً:

﴿فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ﴾

فلو فرضنا عملاً إنسانياً محضاً لايريد به صاحبه مالاً ولا منصباً ولا جاهاً ولا ظهوراً ولا شهرةً ولا تصدراً ولا رياسةً ولا طلباً للذكر الحسن عند الناس ولا أي مصلحة مادية أو معنوية فان ذلك كله -على فرض وجوده- لاينفع صاحبه طالما أنه كافر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم, فأعمال الكفار كلها حابطة في ميزان الله بمجرد أن يعرضوا عن شيء من مضامين الوحي كما قال تعالى في سورة محمد:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ, ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾

وقد شبه الله حبوط أعمال الكفار تشبيهات ذات دلالة بليغة فشبهها سبحانه تارة بالهباء كما قال سبحانه في سورة الفرقان:

﴿وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾

وكشفت هذه الآية أن هذه الأعمال التي جاء بها الكفار يوم القيامة هي "أعمال محمودة" في ذاتها وحسنة في أصلها, لكن الله لم يقبلها منهم ولم تنفعهم, ولو لم تكن محمودة في ذاتها لم يجعلها هباءً, بل لجعلها وبالاً, فإن الآثام تحتسب على الكافر ولا تذهب هباء, وإنما الذي يذهب هباء هو العمل المحمود في أصله لكنه لم يقبل لفوات شرط القبول.

وفي موضع آخر جعل الله أعمال الكفار كالرماد المتطاير كما قال في سورة ابراهيم:

﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾

وجعلها في موضع آخر كالسراب الزائف كما قال في سورة النور:

مآلات الخطاب المدني · الصفحة ٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مآلات الخطاب المدنيص ٧٣