القول الثاني: قالوا الدليل على أن الأرواح إنما خلقت بعد خلق الأبدان قوله تعالى:[يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى](1)، وهذا خطاب للإنسان الذي هو روح وبدن، فدل على أن جملته مخلوقة بعد خلق الأبوين، وأصرح منه قوله تعالى:[يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ..](2) وهذا صريح في أن خلق جملة النوع الإنساني بعد خلق أصله.
فإن قيل: فهذا لا ينفي تقدم خلق الأرواح على أجسادها، وإن خلقت بعد خلق أبي البشر كما دلت عليه الآثار المتقدمة، قيل: سنبين إن شاء الله تعالى أن الآثار المذكورة لا تدل على سبق الأرواح الأجساد سبقاً مستقراً ثابتاً.
وغايتها أن تدل بعد صحتها وثبوتها على أن بارئها وفاطرها سبحانه صور النسم وقدر خلقها وآجالها وأعمالها واستخرج تلك الصور من مادتها ثم أعادها إليها، وقدر خروج كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له، ولا تدل على أنها خلقت خلقاً مستقراً ثم استمرت موجودة حية عالمة ناطقة كلها في موضع واحد ثم ترسل منها إلى الأبدان جملة بعد جملة كما قاله أبو محمد ابن حزم فهل تحمل الآثار مالا طاقة لها به؟ نعم الرب سبحانه يخلق منها جملة بعد جملة على الوجه الذي سبق به التقدير أولاً، فيجيء الخلق الخارجي مطابقاً للتقدير السابق كشأنه تعالى في جميع مخلوقاته، فإنه قدر لها أقداراً وآجالاً وصفات وهيئات ثم أبرزها إلى الوجود مطابقة لذلك التقدير الذي قدره لها لاتزيد عليه ولا تنقص.
(1) ـ الحجرات: 13.
(2) ـ النساء: 1.